بينما تبحث غزة عن طريق للخروج من آثار حرب خلّفت دمارًا واسعًا وأزمة سكنية وإنسانية غير مسبوقة، تبرز مشاريع جديدة تحمل عنوان "الإعمار"، لكنها تفتح في الوقت ذاته أسئلة أعمق حول شكل القطاع ومستقبل سكانه ومن يملك قرار تحديد أماكن عودتهم وإعادة بناء حياتهم.
ومن بين هذه المشاريع يبرز ما يُعرف بـ"رفح الخضراء"، في شرقي مدينة رفح قرب ما يسمى "الخط الأصفر"، وسط تقارير إسرائيلية تتحدث عن إقامة تجمع سكني لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، فيما تقول رواية أخرى إن المشروع عبارة عن مجمع خيام ومساكن مؤقتة للنازحين أُقيم بالتنسيق مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتكشف المعطيات المتداولة أن المشروع لا يتعلق ببناء مساكن فحسب، بل يرتبط بترتيبات أمنية وإدارية أوسع، في منطقة تقع تحت السيطرة الإسرائيلية، مع حديث عن إخضاعها لاحقًا لإدارة قوة متعددة الجنسيات. وهو ما يجعل "رفح الخضراء" محور نقاش يتجاوز تفاصيل البناء إلى طبيعة المرحلة المقبلة في قطاع غزة، وما إذا كان الإعمار سيعيد الفلسطينيين إلى مناطقهم الأصلية، أم سيعيد تنظيم وجودهم داخل القطاع وفق ترتيبات جديدة.
وكانت القناة السابعة الإسرائيلية قد أفادت بدخول مقاولين مصريين إلى مناطق شرقي رفح لإجراء قياسات هندسية تمهيدًا لأعمال البنية التحتية، فيما ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن المرحلة الأولى من المشروع تشمل أعمال الحفر ومد شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
الإعمار تحت شروط الاحتلال
ويرى المحلل السياسي إياد القرا أن جوهر القضية لا يكمن في إقامة مساكن جديدة بحد ذاتها، وإنما في الظروف السياسية والأمنية التي يُنفذ فيها المشروع، معتبرًا أن "رفح الخضراء" تأتي ضمن إعمار يجري تحت شروط الاحتلال، في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على مناطق تقع خلف أو بمحاذاة "الخط الأصفر".
ويقول القرا إن أي مشروع لإعادة إعمار غزة لا يشارك الفلسطينيون في تحديده وإدارته، سواء من خلال اللجنة الإدارية أو الفصائل أو أي صيغة وطنية متوافق عليها، سيظل محكومًا بالترتيبات التي تفرضها إسرائيل على الأرض.
وبحسب تحليله، فإن السؤال الأهم ليس فقط: أين ستُبنى المساكن؟ بل: كيف سيعود الفلسطينيون إليها؟
فعودة سكان غزة، وفق القرا، يجب ألا تتحول إلى مجرد نقل للسكان من مناطق مدمرة إلى تجمعات جديدة تحددها ترتيبات عسكرية أو أمنية، وإنما ينبغي أن تكون عودة حقيقية إلى مناطقهم وبيوتهم، وفي سياق يضمن حقوقهم وحريتهم في الحركة وإدارة حياتهم.
ويشدد على أن عودة الفلسطينيين إلى رفح، وكذلك إلى مناطق شمال قطاع غزة، يجب أن تتم في إطار يضمن انسحاب الاحتلال وعدم تدخله في حياة السكان أو التحكم بحركتهم ومصير المناطق التي يعودون إليها، لأن إعادة الإعمار، في نظره، لا يمكن فصلها عن حق السكان في العودة.
من إعادة البناء إلى "هندسة الإعمار"
ويحذر القرا من أن تتحول مشاريع إعادة الإعمار إلى ما يسميه "هندسة الإعمار"، بحيث لا تقتصر العملية على إصلاح المباني والبنية التحتية التي دمرتها الحرب، وإنما تمتد إلى إعادة ترتيب أماكن وجود الفلسطينيين ورسم الخريطة الجغرافية للقطاع وفق ترتيبات أمنية وسياسية تفرضها القوة المسيطرة على الأرض.
ويربط هذا التخوف بتجارب سابقة خلال الحرب، من بينها الميناء الذي أقامته الولايات المتحدة لإدخال المساعدات، ومراكز توزيع المساعدات التي ظهرت لاحقًا، معتبرًا أن الإشكالية في تلك التجارب تمثلت في تنفيذها داخل بيئة ظل فيها الاحتلال يتحكم بحركة الفلسطينيين ووصولهم إلى المساعدات.
ويقول القرا إن الترتيبات التي كان يفترض أن تكون أدوات لمعالجة الأزمة الإنسانية تحولت، في مراحل منها، إلى أدوات للسيطرة، في ظل استمرار القتل والاعتقال والتجويع، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار المنطق نفسه في ملف إعادة الإعمار.
وبالنسبة إليه، فإن استمرار السيطرة الإسرائيلية يعني استمرار القدرة على التأثير في تفاصيل المشروع: المكان الذي يُبنى فيه، ومن يدخل إليه، ومن يسكن فيه، وكيف يتحرك سكانه.
ومن هنا، يكتسب الحديث عن إقامة "رفح الخضراء" شرقي رفح، وإسكان عشرات الآلاف من الفلسطينيين فيها خارج سيطرة حركة حماس وتحت إشراف قوة استقرار دولية محتملة، أهمية تتجاوز حدود المشروع نفسه، ليفتح نقاشًا حول طبيعة الترتيبات التي يجري إعدادها للقطاع بعد الحرب.
من يملك قرار رسم غزة؟
وتتزامن هذه التطورات مع تقارير عن تحضيرات لنشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، مع حديث عن مساهمة دول بينها المغرب وأوغندا بوحدات محدودة، في وقت لا تزال فيه صلاحيات هذه القوة وطبيعة مهمتها موضع نقاش.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى "رفح الخضراء"، في ظل الحديث عن إخضاع المنطقة مستقبلًا لإدارة قوة متعددة الجنسيات، بما يربط المشروع السكني بترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز أعمال البناء.
ويؤكد القرا أن الفلسطينيين لا يرفضون إعادة الإعمار، وإنما يرفضون أن تجري العملية بمعزل عنهم أو أن تتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع السكان.
ويشدد على أن عودة الفلسطينيين إلى مناطقهم يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي خطة لإعمار القطاع، لا أن يجري استبدال حق العودة إلى المناطق الأصلية بإقامة تجمعات سكنية جديدة في مواقع تحددها الترتيبات العسكرية.
ويلفت إلى أن الموقف الفلسطيني، بحسب تقديره، ما زال متمسكًا برفض تمرير مشاريع تتعلق بمستقبل غزة من دون مشاركة وطنية فلسطينية، مؤكدًا أهمية دور اللجنة الإدارية والفصائل والقوى الفلسطينية في تحديد مستقبل القطاع.
كما يرى أن مصر حريصة على عدم المضي في اتفاقات أو تفاوض بشأن هذه الملفات من دون مشاركة فلسطينية، بالنظر إلى ارتباط هذه القضايا مباشرة بمستقبل غزة وسكانها.
وفي ظل الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، تبدو الحاجة إلى إعادة بناء المنازل والبنية التحتية والخدمات أمرًا ملحًا بالنسبة إلى ملايين الفلسطينيين، لكن الجدل حول "رفح الخضراء" يعكس سؤالًا أوسع: هل سيكون الإعمار مجرد عملية لإصلاح ما دمرته الحرب، أم سيصبح جزءًا من ترتيبات جديدة تعيد تشكيل الجغرافيا والسكان؟
وبالنسبة إلى القرا، فإن جوهر القضية لا يتعلق بإنشاء حي سكني جديد، وإنما بمن يملك قرار رسم غزة بعد الحرب؛ فالإعمار، في رؤيته، لا ينبغي أن ينفصل عن حق الفلسطينيين في العودة والمشاركة في تحديد مستقبل مناطقهم.
وفي غزة التي عايش سكانها الحرب والنزوح والدمار، لا تختزل مسألة العودة في جدران جديدة أو خيام محسنة، وإنما ترتبط بالبيت والحي والمدينة والحق في تقرير شكل الحياة المقبلة. ولذلك فإن أي مشروع لإعادة البناء سيبقى مرتبطًا، إلى جانب قدرته على توفير المأوى، بالسؤال الفلسطيني الأوسع حول العودة والحرية والمشاركة في صناعة مستق