مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

جالود مجددًا.. من حصار البيت إلى حصار القرية

الرسالة نت_ خاص

من خيمة استيطانية إلى حصار منزل.. ثم تهجير وإحراق ومحاولة عودة انتهت بهجوم أكثر من 100 مستوطن.

في الساعات الأولى من صباح 29 سبتمبر/أيلول 2026، لم يكن محمود الطوباسي وعائلته يدخلون منزلهم للمرة الأولى منذ أشهر، بل كانوا يحاولون العودة إليه.

في تلك اللحظة، كان جيش الاحتلال قد نسّق لإعادتهم إلى منزلي العائلة في أطراف قرية جالود، جنوب نابلس، تنفيذًا لقرار أصدرته المحكمة العليا الإسرائيلية في 6 سبتمبر/أيلول، يقضي بتأمين عودتهم.

لكن بعد نحو عشر دقائق من وصول العائلة، وفق روايات نقلتها رويترز، تجمع أكثر من 100 مستوطن في المكان. أُغلقت الطرق، وأُحرقت الإطارات، وأُلقيت الحجارة باتجاه قوات الأمن، وأُضرمت النيران في ممتلكات فلسطينية، بينها منزلا عائلة الطوباسي.

وهكذا انتهت محاولة العودة الثانية للعائلة إلى المكان الذي عاشت فيه قبل أن تُجبر على مغادرته في يوليو/تموز.

لكن قصة الطوباسي بدأت قبل ذلك بكثير.

يناير: نقطة التحول

في 21 يناير/كانون الثاني 2026، أقام مستوطنون بؤرة جديدة أطلقت عليها منظمة «بتسيلم» اسم «تل تلبيوت» فوق تلة تعرف باسم جبل عين عينة، على أراضي قرية تلفيت.

الموقع مهم؛ فهو يقع داخل منطقة مصنفة «ب» بموجب اتفاق أوسلو، وفي قلب تجمع من القرى الفلسطينية، ولم يكن فيه وجود استيطاني سابق، وفق «بتسيلم».

ومنذ إنشاء البؤرة، قالت المنظمة إنها وثقت سلسلة من الاعتداءات الخطيرة ضد سكان تلفيت وقصرة وجالود، مشيرة إلى أن الشهر الأول وحده شهد 10 اعتداءات خطيرة، شملت مهاجمة منازل وإحراق مركبات ومنازل والاعتداء على فلسطينيين.

وفي 14 مارس/آذار، قُتل أمير عودة، 28 عامًا، في هجوم على أطراف قرية قصرة، بعد إطلاق النار عليه خلال مواجهة مع مستوطنين قرب البؤرة الجديدة، وفق «بتسيلم».

بذلك لم تعد المسألة محصورة في جالود وحدها؛ فالمنطقة المحيطة بها أصبحت مسرحًا لتحرك استيطاني جديد يمتد بين عدة قرى فلسطينية.

أبريل: الخيمة تصل إلى جالود

في 19 أبريل/نيسان، ظهرت الخطوة التالية داخل جالود نفسها.

أقام مستوطنون خيامًا على أراضٍ تابعة للقرية، بالقرب من منازل الفلسطينيين. وحذرت مصادر محلية آنذاك من أن إقامة الخيام قد تكون مقدمة لإنشاء بؤرة استيطانية جديدة.

وبعد تسعة أيام، في 28 أبريل/نيسان، أقام مستوطنون بؤرة جديدة داخل أراضي جالود، ونصبوا خيامًا بين منازل السكان.

لكن بالنسبة إلى عائلة الطوباسي، كان الخطر أكثر قربًا.

يقع منزلا العائلة في منطقة طرفية، على تلة تعرف باسم «الظهر» بين جالود وقصرة، وبعيدًا عن مركز القرية.

وهنا تكمن إحدى أهم مفاتيح القصة: لماذا عائلة الطوباسي بالذات؟

بحسب محمود الطوباسي ورائد حج محمد، رئيس مجلس قروي جالود، فإن منزل العائلة يقع في منطقة معزولة نسبيًا عن مركز القرية. وفي أبريل بدأت المضايقات المباشرة، ثم أقام مستوطنون نقطة استيطانية قريبة من المنزل.

لاحقًا، استولى مستوطنون على منزل فلسطيني آخر قيد الإنشاء يقع بين عائلة الطوباسي والقرية، لتصبح العائلة معزولة جغرافيًا بدرجة أكبر.

وفي يوليو، وصفت الجزيرة الوضع بأن الطريق الذي يربط العائلة بالقرية أصبح مغلقًا بالحجارة والعوائق، فيما تعرضت شبكة الكهرباء في المنطقة للتخريب، ما جعل إيصال الطعام والماء والدواء إلى المنزل أكثر صعوبة.

لم يكن الهدف، وفق شهادات السكان والمصادر الفلسطينية، مجرد الضغط على عائلة واحدة؛ فكل منزل فلسطيني في هذه المنطقة الطرفية يمثل وجودًا مدنيًا دائمًا في مساحة تتعرض لضغط استيطاني متزايد.

لكن جالود ليست قرية عادية من الناحية الجغرافية

تقع جالود على بعد نحو 26 كيلومترًا جنوب نابلس.

وتبلغ مساحة أراضيها التاريخية، وفق رئيس المجلس القروي، نحو 23 ألف دونم، يقع نحو 17 ألفًا منها في المنطقة المصنفة «ج»، بينما تقع بقية الأراضي في المنطقة «ب». ويبلغ عدد سكان القرية نحو ألف نسمة.

وتحيط بجالود قرى فلسطينية، من بينها قريوت وتلفيت وقصرة وترمسعيا والمغير ودوما، لكن الأهم هو ما يوجد على التلال المحيطة بها.

يقول حج محمد إن الهجوم الاستيطاني على جالود بدأ منذ 1979، وإن القرية ومحيطها يضمان حاليًا نحو 13 مستوطنة وبؤرة استيطانية، ويقدّر أن أكثر من 90% من أراضي القرية أصبحت متأثرة بالوجود الاستيطاني أو بالقيود المفروضة على وصول السكان إليها.

وتشير بيانات سابقة لمركز أبحاث الأراضي إلى وجود مستوطنات وبؤر، بينها شيلو ومتسبيه راحيل وأحيا وعدي عاد وعيلي وكيدا ويش كودش، على أراضي القرية أو في محيطها، مع غلبة المنطقة المصنفة «ج» على أراضي جالود.

الهدف الأوسع

تقع جالود في منطقة مليئة بالتلال والطرق التي تربط مجموعة من القرى الفلسطينية بالمناطق الاستيطانية المحيطة.

ومنذ يناير، ظهرت بؤرة جديدة بين القرى. ثم ظهرت خيام في جالود. وبعدها جرى الاستيلاء على منازل في المناطق الطرفية، وأصبحت عائلات فلسطينية أكثر عزلة عن مركز القرية.

والنتيجة العملية، وفق سكان القرية، هي تضييق المجال الذي يستطيع الفلسطينيون الوصول إليه والسكن فيه والزراعة داخله.

وفي يوليو، قال رئيس المجلس القروي إن المستوطنين يركزون على الجهات الجنوبية والجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية، بينما ظهرت محاولة لإنشاء بؤرة جديدة شمالًا في منطقة جبل العين.

وهذا يجعل القضية أكبر من منزل الطوباسي.

إنها، من منظور سكان القرية، معركة على الأطراف: فإذا أصبح المنزل الطرفي غير قابل للسكن، ثم أُغلقت الطريق المؤدية إليه، ثم انتقلت السيطرة إلى المنزل المجاور، تتغير الخريطة على الأرض من دون الحاجة إلى إعلان قرار واحد يقول إن المنطقة ستُفرغ من سكانها.

المنزل يتحول إلى نقطة مواجهة

في يونيو/حزيران، تعرض منزل عائلة الطوباسي لاعتداءات متكررة.

وفي تسجيلات وصور نقلتها رويترز في يوليو، ظهر مستوطنون فوق منزل فلسطيني استولوا عليه في جالود.

وقال رئيس المجلس القروي رائد حج محمد إن جالود شهدت منذ بداية العام خمس هجمات كبيرة من المستوطنين، شملت تكسير سيارات وإحراق منازل واقتلاع أشجار وتدمير ممتلكات.

يوليو: العائلة تغادر

بحلول يوليو، تحولت المضايقات إلى حصار فعلي.

أصبح الوصول إلى منزلي الطوباسي صعبًا للغاية، خصوصًا بعد السيطرة على المنزل المجاور وإغلاق الطريق.

وفي يوليو/تموز غادرت العائلة منزليها. ولم يكن الخروج، بحسب التقارير، انتقالًا عاديًا إلى منزل آخر، بل جاء بعد أشهر من الضغوط والاعتداءات.

وهنا أصبح منزل الطوباسي نفسه هدفًا للاستيلاء.

وتقول تقارير إسرائيلية إن المستوطنين أقاموا بؤرة بالقرب من المنازل وحاصروا المنطقة، فيما أكدت مصادر فلسطينية أن العائلة أُخرجت من المكان.

وكان يمكن أن تنتهي القصة هنا، لكن حدث ما أعادها إلى الواجهة.

في 6 سبتمبر/أيلول، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارًا يقضي بتأمين عودة عائلة الطوباسي إلى منزليها.

كان القرار مهمًا لأن العائلة لم تكن تطالب فقط باستعادة ممتلكاتها، بل بالقدرة على العودة إلى منزلها في مواجهة جماعات استيطانية كانت قد سيطرت على المكان.

وكان يفترض أن تتم العودة بحماية قوات الاحتلال.

لكن عندما حان موعد التنفيذ، لم تعد المسألة قانونية فقط؛ أصبحت مواجهة ميدانية.

وفي ليلة 28 إلى 29 سبتمبر/أيلول، دخلت قوات الاحتلال إلى جالود لمرافقة العائلة.

وبحسب جيش الاحتلال، وصل أكثر من 100 مستوطن إلى المنطقة، وأغلقوا الطرق، وأحرقوا الإطارات، وألقوا الحجارة على قوات الأمن.

ثم أُضرمت النيران في ممتلكات فلسطينية، بينها منزلا عائلة الطوباسي، وأصيب ثلاثة من عناصر حرس الحدود الإسرائيليين.

وقال جيش الاحتلال إن أعمال العنف حالت دون إتمام عملية إعادة العائلة إلى منزلها.

أما محمد الطوباسي، فقال لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إن العائلة وصلت إلى المكان برفقة الجنود، ثم تعرضت للهجوم، وإن الجنود نقلوهم إلى مركبة عسكرية لحمايتهم.

واللافت في القضية أنه قبل هجوم 29 سبتمبر بنحو ثلاثة أسابيع، وتحديدًا في 8 سبتمبر/أيلول، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أن سلطات الاحتلال أعادت ترسيم حدود إعلان سابق يتعلق بـ«أراضي الدولة» ليشمل نحو 194 دونمًا من أراضي جالود والمغير، بحسب ما أوردت وكالة الأناضول نقلًا عن الهيئة.

وقال التقرير إن الإعلان الأصلي يعود إلى عام 1984، وإن التعديل شمل مناطق قرب مستوطنة كيدا.

هذه الخطوة لا تثبت وحدها وجود علاقة مباشرة بينها وبين هجوم 29 سبتمبر، لكن توقيتها يجعلها جزءًا من السياق الذي يمكن قراءة أحداث الأشهر التسعة الماضية من خلاله.

وهكذا يمكن اختصار ما يحدث في جالود باعتباره حصارًا يتقدم من الأطراف نحو المنازل: يبدأ بالاستيطان في الأراضي المحيطة، ثم الاقتراب من البيوت، وقطع طرق الوصول، وصولًا إلى جعل البقاء في بعض المناطق أكثر صعوبة.

بث مباشر