تثير تعديلات قانون الانتخابات الفلسطينية 2026 وتمديد فترة الترشح، إلى جانب التغييرات المتلاحقة في عدد مقاعد المجلس التشريعي وشروط الترشح، أسئلة سياسية وقانونية حول استقرار قواعد العملية الانتخابية ومدى تكافؤ الفرص بين القوائم، خصوصًا مع صدور هذه التعديلات بقرارات بقانون رئاسية في ظل غياب المجلس التشريعي.
مع اقتراب الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لم تعد المعركة السياسية تدور فقط حول التحالفات والقوائم والمرشحين بل امتدت إلى السؤال الأكثر حساسية: من يضع قواعد اللعبة الانتخابية، ومتى، ولماذا؟
فخلال الأشهر التي تسبق موعد الاقتراع، شهد قانون الانتخابات العامة سلسلة من التعديلات، بعضها أُقر ثم أُلغي أو عُدّل لاحقًا، بينما جرى في الأيام الأخيرة تمديد فترة الترشح من 12 إلى 18 يومًا. وبحسب لجنة الانتخابات المركزية، فإن موعد الاقتراع لم يتغير، ولا يزال مقررًا في 28 تشرين الثاني/نوفمبر.
هذه التعديلات المتلاحقة دون عملية تعديل تشريعي واضح وسليم في ظل تغييب التشريعي منذ سنوات تضع استقرار التشريع الانتخابي، وتوقيت تعديله، والجهة التي تمتلك سلطة إعادة صياغة قواعد المنافسة أمام تحدي كبير.
تعديلات قانونية بنكهة سياسية
في حزيران/يونيو 2026، صدر قرار بقانون رفع عدد مقاعد المجلس التشريعي من 132 إلى 200، وخفض سن الترشح إلى 23 عامًا، ورفع الحد الأدنى لعدد مرشحي القائمة إلى 20، مع اعتماد نسبة حسم تبلغ 1% وتعزيز تمثيل المرأة، لكن هذه الصيغة لم تستمر.
ففي آب/أغسطس، صدر القرار بقانون رقم 17 لسنة 2026، الذي أعاد عدد مقاعد المجلس إلى 132، وأبقى على عدد من التعديلات، بينها خفض سن الترشح إلى 23 عامًا، ونسبة الحسم 1%، ونسبة تمثيل المرأة، مع إعادة الحد الأدنى لعدد مرشحي القائمة إلى 16 مرشحًا.
هذه التعديلات بعيدا عن مضمونها ومدى مخالفتها لقانون الانتخابات، تكشف أن القواعد التي يفترض أن تكون مستقرة قبل بدء المنافسة أصبحت نفسها جزءًا من المشهد السياسي المتقلب والذي يعكس إلى أي مدى البيئة السياسية والديمقراطية والتعددية غائبة ومهمشة.
ومن ناحية التوقيت؛ فكل تغيير في عدد المقاعد أو شروط تشكيل القوائم أو المدد القانونية يمكن أن يؤثر في حسابات الأحزاب والقوائم وقدرتها على خوض الانتخابات.
المحلل السياسي جهاد حرب اعتبر إن التعديلات مراسيم بقوانين جاءت في أعقاب "مأزق" نشأ لدى اللجنة التحضيرية للانتخابات، نتيجة اعتماد صيغة انتخاب أعضاء المجلس التشريعي دون معالجة مسألة عضوية رئيس السلطة الفلسطينية في المجلس الوطني.
وأوضح حرب أن التعديل يتركز على تدارك الخطأ من خلال إعادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضواً، مع تعيين 67 عضواً من الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب رئيس السلطة الفلسطينية في المجلس الوطني.
وبحسب حرب، فإن الصيغة السابقة كانت ستؤدي عملياً إلى إبقاء رئيس السلطة الفلسطينية خارج المجلس الوطني ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتباره ليس عضواً في المجلس التشريعي، في حين أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين من داخل فلسطين يصبحون أعضاء في المجلس الوطني.
ويرى حرب أن التعديلات القانونية تهدف، إلى جانب معالجة الإشكالية القانونية، إلى ضمان عضوية رئيس السلطة الفلسطينية في المجلس الوطني، بما يتيح لاحقاً عضويته في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وترؤسه لها.
وقال إن بعض الإشكاليات ظهرت نتيجة "حصر عضوية المجلس الوطني للفلسطينيين المقيمين في فلسطين من خلال عضويتهم في المجلس التشريعي"، وهو ما كشف عن ثغرة في صياغة التشريعات المنظمة للعملية الانتخابية.
واعتبر حرب أن ما وصفه بـ"المأزق الدستوري" كان يمكن تجنبه لو جرى طرح التشريعات والتعديلات على مؤسسات المجتمع المدني والخبراء القانونيين قبل إقرارها، محذراً من أن غياب هذا النقاش يؤدي إلى ظهور ثغرات قانونية بعد صدور التشريعات.
ولا تقتصر دوافع التعديلات، وفق حرب، على معالجة عضوية رئيس السلطة الفلسطينية، إذ يرى أن هناك اعتبارات سياسية مرتبطة بتمثيل الفصائل الصغيرة والشخصيات المحسوبة على منظمة التحرير.
وأوضح أن بعض الفصائل والشخصيات قد تواجه صعوبة في الحصول على مقاعد في المجلس الوطني عبر صناديق الاقتراع، الأمر الذي يجعل التعيين وسيلة لضمان استمرار تمثيلها داخل مؤسسات منظمة التحرير.
هيمنة الرئاسة على القرار الانتخابي
المسألة الأكثر حساسية تتعلق بآلية صناعة التشريعات الانتخابية، فالتعديلات الحالية صدرت بقرارات بقانون رئاسية، بينما المجلس التشريعي الفلسطيني مغيب عن ممارسة دوره منذ سنوات.
لجنة الانتخابات أوضحت مرارا أن القرارات والمراسيم الرئاسية تتضمن الإجراءات المتعلقة بالانتخابات ومواعيدها والتعديلات على القوانين، إضافة إلى تشكيل الهيئات الانتخابية، ما يعني هيمنة رئاسية كاملة على العملية الانتخابية وتفصيلها وفق مقاسات محددة، بحيث تستخدم السلطة تمنع التعديلات التشريعية والقانونية للانتخابات لإعادة ترتيب موازين المنافسة.
من أكثر البنود إثارة للجدل هو ضرورة التزام المرشح بالقانون الأساسي، وقانون الانتخابات، ومنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. ويظهر هذا الشرط ضمن متطلبات الترشح الرسمية.
ويشكل هذا الشرط مساسا جوهريا بالحق في المشاركة السياسية، وتقييد لحق الترشح بشروط أيديولوجية و سياسية بما يمس مبدأ التعددية وتكافؤ الفرص.
سياسيا ينظر لهذا التعديل على أنه محاولة لمنع فصائل وشخصيات سياسية وازنة التي ترفض الالتزام بالتزامات منظمة التحرير، من المشاركة في الانتخابات.
26 أيلول/سبتمبر، بدأت مرحلة الترشح رسميًا، وكان من المقرر أن تستمر 12 يومًا وتنتهي في 7 تشرين الأول/أكتوبر. لكن بعد يوم واحد فقط، تلقت لجنة الانتخابات قرارًا بقانون جديدًا مدد الفترة إلى 18 يومًا، حتى 13 تشرين الأول/أكتوبر. وأكدت اللجنة أن موعد الاقتراع سيبقى في 28 تشرين الثاني/نوفمبر.
معركة الشرعية قبل صناديق الاقتراع
الانتخابات الفلسطينية المقبلة لا تواجه فقط تحدي تنظيم عملية الاقتراع، بل تواجه معركة أعمق تتعلق بالثقة في قواعد العملية السياسية نفسها.
ففي ظل غياب المجلس التشريعي، وتوالي القرارات بقوانين، والتعديلات القانونية المتعلقة بالعملية الانتخابية، وتمديد مرحلة الترشح بعد بدايتها، يضع السلطة ورئاستها أمام اتهامات التلاعب بالقوانين لصالحها وسيظهر ذلك بوضوح أكبر من خلال قوائم المرشحين والمقبولين والمرفوضين، أسباب الاستبعاد، قرارات الطعون، المساواة في الوصول إلى العملية الانتخابية، ومدى التزام جميع الأطراف بالقواعد ذاتها.
أما الاختبار الحقيقي لشفافية الانتخابات الفلسطينية 2026 لن يبدأ في 28 تشرين الثاني/نوفمبر عند فتح صناديق الاقتراع، بل بدأ بالفعل منذ اللحظة التي أصبحت فيها قواعد الانتخابات نفسها موضوعًا للتعديل والمراجعة في قلب الموسم الانتخابي.