مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

ثلاثة أعوام تحت الركام.. 105 جثامين تعود إلى عائلاتها من برج التاج

متابعة-الرسالة نت

في غزة، لم تنتهِ بعض الحكايات في لحظة القصف. بعضها بقي مدفونًا تحت أطنان من الخرسانة، ينتظر آلة ترفع الركام أو يدًا تبحث بين الحجارة عن عظمة أو قطعة ملابس أو غرض شخصي يقول للعائلة: نعم، وجدنا من كنتم تنتظرونه.

في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان برج التاج في منطقة اليرموك وسط مدينة غزة مأهولًا بعائلات ونازحين. وفي ذلك اليوم تعرض البرج ومحيطه لقصف إسرائيلي عنيف، أدى إلى تدمير المبنى ودفن عشرات الأشخاص تحت أنقاضه. وتختلف التقديرات الأولية لأعداد الضحايا، بسبب بقاء أعداد كبيرة منهم تحت الركام وعدم إمكانية الوصول إليهم آنذاك. 

 

لم تكن المأساة في ذلك اليوم وحده. فبعد القصف، بدأت عملية أخرى أكثر بطئًا وقسوة: انتظار العائلات. انتظار أن تظهر جثة، أو رفات، أو حتى قطعة ملابس يمكن أن تمنح الغائب اسمًا.

وبعد نحو ثلاثة أعوام، عادت الآليات إلى المكان.

على مدار 17 يومًا، عملت طواقم الدفاع المدني الفلسطيني، بالتعاون مع اللجنة المصرية، بين الركام بحثًا عن بقايا الذين ظلوا مدفونين منذ ذلك القصف. وانتهت عمليات البحث الأخيرة إلى انتشال رفات 105 شهداء، بينهم 47 طفلًا و32 امرأة. 

لكن الوصول إلى الرفات لم يكن نهاية الألم. في بعض الحالات، لم يعد هناك جسد كامل يمكن للعائلة أن تتعرف إليه. سنوات طويلة تحت الخرسانة والحديد غيّرت كل شيء؛ وتحولت عملية التعرف إلى بحث مؤلم عن التفاصيل الصغيرة: قطعة قماش، خاتم، لعبة، زجاجة رضاعة، أو أي غرض شخصي نجا من الانهيار. 

 

ومن بين أكثر القصص إيلامًا ما رواه الصحفي محمود هنية الذي فقد طفله عبيدة، مع زوجته الصحافية دعاء شرف وقد كان يبلغ عامًا وشهرين فقط، في القصف نفسه. خلال عمليات البحث، ظهرت بقايا أشياء لطفل، بينها رضاعة ومصاصة وأغراض صغيرة، فتحولت تلك الأشياء إلى خيط يقود الأب إلى طفله الذي ظل ينتظر العثور عليه ثلاثة أعوام. 

 

وفي مكان آخر من البرج، كانت تغريد الحناوي تنتظر ابنتها عالية، التي قُتلت مع أطفالها الأربعة في القصف، وفق ما روته خلال مراسم تشييع الرفات. 

 

أما عائلة شرف، فكانت واحدة من العائلات التي دفعت ثمنًا بالغًا في ذلك اليوم؛ إذ تشير قاعدة بيانات توثيق المجازر إلى مقتل عشرات من أفراد العائلة في استهداف برج التاج، بينهم أطفال ونساء. 

 

ولم تكن مهمة الدفاع المدني طوال هذه السنوات مهمة انتشال عادية. فالطواقم واجهت نقصًا حادًا في المعدات والآليات الثقيلة والوقود، بينما بقيت آلاف الجثامين تحت أنقاض المباني المدمرة في أنحاء القطاع. وقالت مصادر الدفاع المدني إن نحو 8 آلاف جثمان لا تزال، وفق تقديراتها، تحت الركام، ما يجعل كل موقع مدمر مقبرة مفتوحة تنتظر أدوات البحث والانتشال. 

 

وفي برج التاج تحديدًا، يصف مسؤولون في الدفاع المدني المشهد بأنه شديد التعقيد؛ إذ اختلطت الأنقاض بالحديد وبقايا المنازل، وبات العثور على الرفات والتعرف إلى أصحابها أكثر صعوبة كلما طال الزمن. وفي بعض المواقع، عثرت الطواقم على أعداد كبيرة من الأطفال والنساء بين الركام. 

 

ثلاثة أعوام مرّت على أولئك الذين كانوا ينتظرون أبناءهم.

ثلاثة أعوام من سؤال بلا جواب: أين هم؟

ثم جاءت الإجابة أخيرًا، لكنها لم تكن كما تمنتها العائلات.

لم تعد الأمهات والآباء ينتظرون عودة أبنائهم من الحرب. صاروا ينتظرون فقط ما يكفي من رفات ليدفنوهم.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، خرجت الرفات من المكان الذي بقيت فيه منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واتجهت في موكب إلى مقبرة الشيخ رضوان. لم يكن المشهد استعادةً لأشخاص غابوا فحسب، بل استعادةً لحقهم الأخير: أن يحملوا أسماءهم، وأن تعرف عائلاتهم أين يرقدون. 

 

لكن خلف 105 جنازات، بقي السؤال الأكبر معلقًا فوق غزة: كم عائلة أخرى ما زالت تنتظر أن تتحرك آلية فوق ركام بيتها، وأن يصدر صوت من بين الحجارة يقول: توقفوا... وجدنا أحدًا.

 

بث مباشر