في ظل استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة وتصاعد الضغوط السياسية والأمنية التي تواجه القضية الفلسطينية، عادت دعوات الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، للمطالبة بعقد اجتماع للأمناء العامين للفصائل، باعتباره مدخلاً لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتوحيد الموقف في مواجهة التحديات الراهنة.
ورغم إعلان رئيس السلطة محمود عباس موافقته المبدئية على عقد الاجتماع، إلا أن تنفيذه لا يزال مؤجلاً، بعدما ربط انعقاده بالانتهاء من المؤتمر الثامن لحركة فتح، وهو ما أثار انتقادات واسعة من قوى وفصائل وشخصيات سياسية ترى أن المرحلة الحالية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
وتأتي هذه الدعوات في وقت يشهد فيه الفلسطينيون واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخهم، في ظل استمرار الحرب على غزة، وتصاعد عمليات الضم والاستيطان في الضفة الغربية، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
ويرى النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي، د. حسن خريشة، أن الدعوات المتكررة للحوار الوطني فقدت قيمتها السياسية نتيجة تكرارها دون نتائج عملية، مشيراً إلى أن الفصائل الفلسطينية عقدت لقاءات عديدة خلال السنوات الماضية في عواصم عربية وإسلامية ودولية، إلا أنها لم تفضِ إلى تنفيذ أي من الاتفاقات التي تم التوصل إليها.
ويقول خريشة لموقع "الرسالة نت" إن الأزمة الفلسطينية لم تعد مرتبطة بغياب الحوارات، وإنما بغياب الإرادة السياسية لدى القوى الرئيسية لإنهاء الانقسام، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار الصراع على النفوذ والسلطة أكثر من البحث عن مشروع وطني جامع.
ويضيف أن اجتماعات الأمناء العامين عُقدت مرات عدة سابقاً دون أن تنعكس على الواقع الفلسطيني، معتبراً أن أي لقاء جديد لن يحقق نتائج مختلفة ما لم يسبقه اتفاق حقيقي على برنامج سياسي موحد وآليات تنفيذ واضحة وملزمة.
كما يشدد خريشة على أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة القرار الشعبي عبر انتخابات ديمقراطية شاملة، بدلاً من استمرار سياسة التوافقات الثنائية بين حركتي فتح وحماس، معتبراً أن الشعب الفلسطيني هو الجهة الوحيدة المخولة بحسم مسألة الشرعية وتجديد النظام السياسي.
وبحسب خريشة، فإن استمرار الاحتلال في توسيع الاستيطان وفرض الوقائع الميدانية في الضفة الغربية، بالتوازي مع الحرب على غزة، يستوجب توحيد الموقف الوطني، إلا أن الانقسام السياسي لا يزال يحول دون الوصول إلى هذه النتيجة.
في المقابل، يرى الناشط السياسي عمر عساف أن عقد لقاء الأمناء العامين أصبح ضرورة وطنية ملحة، حتى وإن جاء متأخراً، في ظل حجم التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني.
ويؤكد عساف لـ "الرسالة نت"، أن أي عملية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك إجراء انتخابات للمجلس الوطني والمجلس التشريعي، لا يمكن أن تتم دون حوار وطني شامل يضع الأسس السياسية والقانونية لإجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية تحظى نتائجها بقبول الجميع.
ويعتبر أن الحوار الوطني لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح ضرورة تتطلبها طبيعة المرحلة، خاصة مع استمرار العدوان الإسرائيلي وما يرافقه من مشاريع تستهدف إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً وجغرافياً.
ويحمّل عساف رئيس السلطة عباس مسؤولية تأخير عقد الاجتماع، معتبراً أن المماطلة تعود إلى عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في الضغوط الخارجية الرافضة لأي شراكة سياسية مع حركة حماس وبعض قوى المعارضة الفلسطينية، والثاني يتعلق بالرغبة في الإبقاء على شكل إدارة القرار السياسي القائم دون إدخال شركاء جدد في عملية صنع القرار.
ويرى أن المطلوب في هذه المرحلة هو ممارسة ضغط وطني وشعبي على عباس للاستجابة للدعوات المتزايدة لعقد اللقاء، باعتبار أن مطلب الحوار لا يقتصر على الفصائل، وإنما يعكس رغبة واسعة لدى قطاعات من الشارع الفلسطيني في إنهاء حالة الانقسام.
ويضيف أن استمرار تأجيل الاجتماع يبعث برسائل سلبية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها القضية الفلسطينية، ويؤخر الوصول إلى رؤية وطنية موحدة لمواجهة الاستحقاقات المقبلة، سواء ما يتعلق بإعادة إعمار غزة، أو مستقبل النظام السياسي، أو مواجهة السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش حول مستقبل المصالحة الفلسطينية، التي شهدت منذ عام 2007 عشرات الاتفاقات واللقاءات في القاهرة والدوحة وموسكو والجزائر وبكين وغيرها، إلا أن معظمها تعثر بسبب الخلافات المتعلقة بتقاسم السلطة، وبرنامج العمل السياسي، وآليات تنفيذ الاتفاقات.
ويجمع مراقبون على أن نجاح أي لقاء مرتقب للأمناء العامين لن يكون مرهوناً فقط بعقد الاجتماع، وإنما بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى مختلف الأطراف لترجمة مخرجاته إلى خطوات عملية، تبدأ بإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، والاتفاق على برنامج وطني جامع، وصولاً إلى تجديد الشرعيات عبر الانتخابات، بما يعزز قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية.