مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

غزة بين تقليص المساعدات وانهيار القدرة على شراء الغذاء

الرسالة نت - خاص

تحولت المساعدات الإنسانية في قطاع غزة من مجرد وسيلة لتخفيف آثار الحرب إلى شريان حياة تعتمد عليه الغالبية العظمى من السكان، بعدما تعرضت المنظومة الاقتصادية لسلسلة من الصدمات أفقدت مئات الآلاف مصادر دخلهم وفرص العمل.
وفي ظل هذا الواقع، يثير تراجع المساعدات الدولية مخاوف من انتقال الأزمة الإنسانية إلى مرحلة أكثر قسوة، خصوصا مع الحديث عن انخفاض تدفق المساعدات، في وقت تشهد فيه الأسواق دخول كميات أكبر من السلع التجارية التي لا يستطيع كثير من الغزيين تحمل أسعارها.
وتتزامن هذه الهشاشة الاقتصادية مع تغير في طبيعة حركة السلع داخل القطاع، حيث تتزايد أهمية الشحنات التجارية في الأسواق في مقابل مخاوف من تراجع تدفق المساعدات الإنسانية. غير أن توفر السلع في الأسواق لا يعني بالضرورة قدرة السكان على الحصول عليها، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول.
وهكذا تتشكل فجوة متزايدة بين وجود الغذاء على أرفف الأسواق وبين قدرة الأسر على شرائه، ما يجعل المساعدات، رغم محدوديتها، عنصرا حاسما في الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن الغذائي للسكان.
تداعيات كارثية
بدوره، حذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من تداعيات تقليص برامج الإغاثة الدولية، مشيرا إلى أن خفض المساعدات الغذائية والصحية والوقود يهدد حياة مئات الآلاف.
وقال مدير المكتب إسماعيل الثوابتة إن تقليص برنامج الأغذية العالمي مساعداته، بسبب نقص التمويل، سيحرم نحو 400 ألف فلسطيني من المساعدات الأساسية، بعدما تراجع عدد المستفيدين، وفقا لبيانات المكتب، من نحو 1.5 مليون إلى 1.1 مليون شخص.
وبحسب الثوابتة، انخفض كذلك عدد الوجبات الساخنة التي توزع يوميا من نحو 250 ألف وجبة إلى 150 ألفا، بالتزامن مع تقليص برامج أخرى.
وحذر من انعكاسات خفض منظمة الصحة العالمية خدماتها ودعمها بالوقود للمرافق الطبية، معتبرا أن استمرار نقص الوقود قد يهدد تشغيل المستشفيات والخدمات الحيوية، ويضع المرضى والجرحى أمام مخاطر إضافية.
وتأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه المساعدات المصدر الأساسي للغذاء بالنسبة إلى شرائح واسعة من سكان القطاع. ومنذ يوليو/ تموز، بدأ برنامج الأغذية العالمي، وفق المعلومات الواردة في التقرير، خفض المساعدات النقدية لنحو 75 ألف شخص بنسبة 25%، إلى جانب تقليص الحصص الغذائية المقدمة لنحو 220 ألف أسرة إلى النصف، في ظل أزمة تمويل تضغط على برامج الإغاثة.
ويكتسب هذا التقليص أهمية أكبر بالنظر إلى انهيار سوق العمل في غزة بفعل الحرب والدمار الواسع الذي أصاب المنشآت الاقتصادية والمصانع والمتاجر وقطاعات الإنتاج والخدمات. ومع تراجع القدرة على الوصول إلى مصادر دخل منتظمة، أصبحت الأسر أكثر اعتمادا على المساعدات، فيما تحولت المطابخ المجتمعية والتكايا إلى جزء أساسي من شبكة توفير الغذاء للسكان.
وفي المقابل، تثار تساؤلات بشأن طبيعة حركة البضائع الداخلة إلى القطاع، مع تسجيل زيادة في حضور الشاحنات التجارية بالتوازي مع تراجع تدفق شاحنات المساعدات، وفق المعطيات التي تستند إليها هذه الرواية.
ويرى منتقدون لهذه السياسة أن زيادة السلع التجارية لا تعني بالضرورة تحسن الأمن الغذائي، طالما أن القدرة الشرائية للسكان انهارت، وأن الغذاء الموجود في الأسواق يظل خارج متناول قطاعات واسعة.
هشاشة وانعدام غذائي
في حين، قال الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن الأزمة الحالية ليست منفصلة عن المسار الاقتصادي الذي شهده قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، بل تمثل امتدادا لانهيار تدريجي أصاب مصادر الدخل وفرص العمل.
وأوضح أبو قمر أن تراجع المساعدات في هذه الظروف يضاعف هشاشة الأسر التي فقدت قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية بصورة مستقلة.
وأكد أن تقليص شاحنات المساعدات، بالتزامن مع ارتفاع حركة الشاحنات التجارية، يطرح إشكالية تتعلق بالقدرة على تحويل السلع الموجودة في الأسواق إلى غذاء فعلي للأسر. "فوجود المنتجات التجارية لا يعني أن السكان قادرون على شرائها، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار وانهيار الدخول".
ويرى الباحث أن تدمير قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي أدى إلى دفع نسبة كبيرة من الأسر نحو الاعتماد على المساعدات الغذائية والإغاثية، ما يجعل أي خفض في برامج الدعم ذا أثر مباشر على الأمن الغذائي، مشيرا إلى أن المطابخ المجتمعية والتكايا باتت تؤدي وظيفة تتجاوز الإغاثة المؤقتة، لتصبح جزءاً من منظومة البقاء اليومية في القطاع.
وحذر أبو قمر من أن الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على السوق التجارية يتطلب أولاً استعادة القدرة الشرائية وفرص العمل. أما في ظل استمرار البطالة والدمار وتراجع الدخول، فإن تقليص المساعدات من دون وجود بديل اقتصادي فعلي قد يدفع مزيداً من الأسر إلى مستويات أشد من الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وتضع هذه المعطيات مسألة المساعدات أمام بعد يتجاوز حجم الشاحنات الداخلة إلى القطاع، ليصل إلى قدرة السكان على الوصول الفعلي إلى الغذاء.

بث مباشر