مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

الغفران العبري في الأقصى.. اقتحام تعويضي وطقوس تتوسع

الرسالة نت - خاص

لم يكن المسجد الأقصى المبارك، يومي الأحد والاثنين، أمام اقتحام مرتبط بمناسبة دينية يهودية، بل أمام مشهد متدرج بدأ باقتحام وصفه الباحث المتخصص في شؤون القدس الدكتور عبد الله معروف بـ(التعويضي)، ثم تصاعد إلى أداء طقوس دينية علنية، واقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وصولًا إلى إغلاق القدس وتشديد القيود على المصلين والتعتيم على ما يجري داخل المسجد.
ويقول معروف في حديث لـ "الرسالة نت" إن جماعات المعبد اعتادت استثمار الأعياد اليهودية لتحويلها إلى محطات لفرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، وإن (يوم الغفران) هذا العام شهد محاولة واضحة لتثبيت حضور ديني يهودي داخل المسجد.

 قبل يوم الغفران
جاءت اقتحامات ما يسمى (يوم الغفران) على يومين، الأحد 20 سبتمبر/أيلول والاثنين 21 سبتمبر/أيلول 2026، رغم أن المناسبة الدينية نفسها وافقت يوم الاثنين.
ويوضح معروف أن خصوصية (يوم الغفران) باعتباره يومًا شديد القداسة لدى اليهود، يصاحبه امتناع قطاعات واسعة منهم عن الطعام والشراب والعمل والتنقل، تجعل أعداد المقتحمين خلال اليوم نفسه أقل عادة، ولذلك تلجأ جماعات المعبد إلى ما تسميه اقتحامًا (تعويضيًا) في اليوم السابق.
وبالفعل، شهد الأحد اقتحامًا واسعًا للأقصى، تخللته طقوس دينية في الساحة الشرقية للمسجد، بينها صلوات جماعية ورقص وتصفيق وسجود فردي وجماعي، قبل أن تمتد الطقوس إلى مناطق أخرى من ساحات المسجد، بينها المنطقة الغربية قبالة قبة الصخرة.
ويقول معروف إن خطورة هذه المشاهد لا تكمن فقط في عدد المشاركين فيها، وإنما في تحويل الطقوس التي كانت ممنوعة أو هامشية إلى ممارسة علنية ومتكررة داخل المسجد، بما يسهم في تكريس وجود ديني يهودي داخله. وقد سبق أن حذر معروف من أن إدخال الصلوات اليهودية الكاملة إلى الأقصى يمثل مسارًا لتثبيت وجود ديني يهودي في المسجد.

نتنياهو وبن غفير
وعشية الاقتحامات، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حائط البراق، حيث شارك في ما تسمى صلوات (السليخوت) المسائية برفقة زوجته، قبل أن ينتقل إلى منطقة أنفاق الحائط الغربي.
ويرى معروف أن توظيف الأقصى والقدس في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن السياق السياسي الإسرائيلي، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات، إذ أصبح المسجد الأقصى، بحسب قراءته، واحدًا من الملفات التي تستخدمها تيارات اليمين والصهيونية الدينية لإظهار حضورها وقدرتها على فرض تغييرات في الوضع القائم.

وكان معروف قد أشار في وقت سابق إلى أن المسجد الأقصى يمثل ملفًا انتخابيًا مهمًا لدى تيار الصهيونية الدينية، وأن اقتحامات بن غفير تأتي في سياق استخدام المسجد لإطلاق رسائل سياسية إلى جمهوره.

وفي اليوم التالي، اقتحم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المسجد الأقصى عند نهاية فترة الاقتحامات تقريبًا، وقاد مجموعة من المستوطنين في طقوس وصلاة توبة، في خطوة يرى معروف أنها تساهم في تكريس الاقتحام السياسي والديني للمسجد.
وبحسب معروف، فإن دخول بن غفير في هذا التوقيت أسهم عمليًا في تمديد فترة الاقتحامات، في ممارسة يرى أنها تتصل بمحاولات فرض التقسيم الزماني داخل الأقصى.

 أدوات دينية داخل المسجد
ولم تتوقف المشاهد عند الصلاة الجماعية؛ فقد ظهر عدد من المقتحمين وهم يرتدون شالات الصلاة اليهودية (الطاليت)، إلى جانب (التيفلين)، فيما وُزعت منشورات تتضمن صلوات وطقوسًا مخصصة للاقتحامات، إضافة إلى إدخال بعض كتب (السيدور) من قبل قادة الاقتحامات.
ويشير معروف إلى أن السماح بتوزيع هذه المواد يمثل تطورًا في مسار فرض الأدوات والرموز الدينية اليهودية داخل المسجد الأقصى.
ويأتي ذلك، بحسب قراءته، ضمن سلسلة إجراءات متصاعدة بدأت تظهر بصورة أكثر وضوحًا خلال عام 2026، وصولًا إلى استخدام البوق داخل الأقصى خلال اقتحامات (رأس السنة العبرية).
وكانت مصادر مقدسية قد وثقت بالفعل خلال موسم الأعياد الحالي أداء صلوات وطقوس تلمودية ونفخًا في البوق داخل المسجد.

القدس تغلق أبوابها
وفي الاثنين 21 سبتمبر/أيلول، الموافق لما يسمى يوم الغفران، أغلقت سلطات الاحتلال أجزاء واسعة من القدس، وقطعت الطرق بين أحيائها، وفرضت قيودًا على الوصول إلى البلدة القديمة، في وقت شددت فيه إجراءات دخول المصلين إلى المسجد الأقصى.
لكن هذا اليوم حمل مشكلة أخرى، بحسب معروف: غياب الصورة، فمع صيام قطاعات واسعة من المستوطنين وامتناعهم عن استخدام الإنترنت ووسائل التواصل خلال يوم الغفران، تراجعت قدرة الإعلام على الوصول إلى صور مباشرة لما يجري داخل المسجد، بالتزامن مع القيود الإسرائيلية المفروضة على الصحفيين والمصلين.
ويحذر معروف من أن هذا الوضع يمنح الاحتلال وجماعات المعبد فرصة للتحكم في الصورة التي تخرج من الأقصى، ويضع العالم العربي والإسلامي، وكذلك دائرة الأوقاف الإسلامية، أمام مأزق حقيقي في توثيق ما يجري داخل أحد أقدس مساجد المسلمين.
وكان معروف قد حذر سابقًا من أن غياب الصور والفيديوهات من داخل المسجد خلال مواسم الاقتحامات يحرم الجمهور من الشاهد البصري على ما يجري، بينما تتوسع الإجراءات الإسرائيلية على الأرض.

أرقام تكشف التصاعد
ولا تبدو هذه التحولات، منفصلة عن الارتفاع المستمر في أعداد مقتحمي الأقصى خلال المناسبات الدينية، وبحسب البيانات والأرقام بلغ عدد المستوطنين المشاركين في الاقتحام التعويضي السابق لـ(يوم الغفران) 992 مستوطنًا، مقابل 686 مستوطنًا في الاقتحام الفعلي خلال المناسبة.
وللمقارنة، بلغ العدد في الاقتحام التعويضي عام 2021 نحو 369 مستوطنًا، وفي الاقتحام الفعلي 290؛ وفي 2022 ارتفع إلى 558 و461؛ وفي 2023 إلى 673 و486؛ بينما سجل عام 2025 نحو 547 في الاقتحام التعويضي و468 في الاقتحام الفعلي.
ولذلك فإن أعداد هذا العام تمثل أعلى مشاركة مسجلة في هذه المناسبة منذ احتلال المسجد الأقصى عام 1967.
وهذه ليست مجرد إحصاء سنوي، بل جزءًا من سياسة تراكمية تهدف إلى تحويل الاقتحامات إلى أمر واقع، وتحويل الطقوس الدينية إلى ممارسة طبيعية داخل المسجد كما يرى معروف.
الهدف تغيير الواقع
ويقول معروف إن ما يجري في الأقصى خلال الأعياد اليهودية يتجاوز، في قراءته، حدود المناسبة الدينية نفسها.
فالمشكلة، بحسبه، ليست في أن يحيي اليهود مناسباتهم الدينية، وإنما في نقل الطقوس إلى داخل المسجد الأقصى، وتحويلها إلى ممارسة علنية ومحمية من الشرطة، ثم تكرارها حتى تصبح جزءًا من المشهد المعتاد.
وقد حذر معروف في تصريحات سابقة من أن جماعات المعبد تعمل على تحويل المناسبات الدينية إلى مواعيد رئيسية للاقتحام، بهدف توسيع الحضور الاستيطاني والديني اليهودي داخل المسجد وفرض واقع جديد فيه.

الأقصى في قلب التصعيد
وفي مقابل هذا التصعيد داخل الأقصى، شهدت الأراضي الفلسطينية خلال اليومين أحداثًا أمنية متزامنة، بينها عملية في وادي ريا غرب رام الله أدت إلى مقتل مستوطن، ومحاولتا دهس أعلنت عنهما قوات الاحتلال في جنين وسلواد، إضافة إلى مواجهات في عدد من أحياء القدس، كان أبرزها صور باهر.
ويأتي ذلك في وقت تتعرض فيه بلدات وقرى شمال غرب القدس، ومنها بدّو، لحملة مداهمات واعتقالات واسعة.
ويرى معروف أن تزامن هذه الأحداث مع موسم الأعياد يزيد حساسية المشهد، خصوصًا في ظل محاولات اليمين الإسرائيلي توظيف المسجد الأقصى في الصراع السياسي والانتخابي.
فالمسجد، وفق قراءته، لم يعد بالنسبة إلى جماعات المعبد مجرد موقع ديني، وإنما تحول إلى ساحة لاختبار القدرة على فرض وقائع جديدة، خطوة بعد أخرى.
وفي كل مرة يدخل فيها مستوطنون بصلواتهم وكتبهم وطقوسهم وأدواتهم الدينية، لا تكون المعركة، بحسب معروف، على عدد المقتحمين في ذلك اليوم فقط، وإنما على السؤال الأكبر: هل يصبح ما كان استثناءً أمس أمرًا طبيعيًا اليوم، ثم حقًا مفروضًا غدًا؟

بث مباشر