في خيمة صغيرة شرق مدينة غزة، لا تتوقف شروق أبو سكران عن محاولة الوقوف. ليس لأنها استعادت ساقيها اللتين فقدتهما، بل لأنها رفضت أن تستسلم للعجز، فصنعت من الكرتون طرفين بدائيين لتتمكن من التحرك داخل خيمتها، ولتقول للعالم إن الإنسان قد يُحرم من أطرافه، لكنه لا يفقد إرادته.
شروق، البالغة من العمر 25 عامًا، لم تكن تتخيل أن عامًا واحدًا سيبدد حياتها التي كانت تحلم بها مع زوجها وطفلها عمر.
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2023، خرجت مع زوجها بحثًا عن الطعام بعد أن أنهكهما الجوع والنزوح. وبينما كانا يسيران في شارع الوحدة بمدينة غزة، سقطت قذيفة أنهت حياة زوجها أمام عينيها.
تقول إنها بقيت ساعات طويلة عاجزة عن الوصول إليه بسبب القصف، وقضت ليلة كاملة بين الخوف والصدمة، قبل أن تتمكن في اليوم التالي من وداعه ودفنه. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أمًا وأبًا لطفلها الصغير.
لكن الحرب لم تكتفِ بسرقة شريك حياتها.
في الحادي والثلاثين من آب/أغسطس 2024، تعرض المنزل الذي كانت تقيم فيه مع عائلة زوجها لقصف عنيف. استشهدت حماتها وعدد من أفراد العائلة، بينما أُصيبت شروق بجروح بالغة استدعت نقلها إلى المستشفى، حيث خضعت لعمليات جراحية انتهت ببتر ساقيها لإنقاذ حياتها.
استفاقت من التخدير لتكتشف أنها لم تعد قادرة على الوقوف، بينما كان طفلها قد نجا من القصف، ليصبح هو الدافع الوحيد الذي يدفعها إلى مواصلة الحياة.
اليوم، تعيش شروق في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل الحصار ونقص الرعاية الطبية وإغلاق المعابر أمام آلاف الجرحى الذين ينتظرون السفر للعلاج. لم تحصل على أطراف صناعية أو برنامج تأهيل، فقررت أن تواجه واقعها بما توفر لديها.
قصّت ألواحًا من الكرتون وثبتتها حول ما تبقى من ساقيها، محاولة صنع وسيلة تساعدها على الحركة داخل الخيمة. لم يكن ما صنعته طرفًا صناعيًا، بل رسالة احتجاج صامتة على عالم يرى آلاف المصابين في غزة، ولا يمنحهم فرصة للعلاج.
وتقول شروق إن أكثر ما يؤلمها ليس فقدان ساقيها، بل عجزها عن احتضان طفلها واللعب معه كما كانت تفعل قبل الحرب، وأن كل ما تتمناه اليوم هو الحصول على أطراف صناعية تمكنها من العودة إلى الحياة، والاعتناء بابنها بكرامة.
قصة شروق واحدة من آلاف الحكايات التي تركت الحرب أصحابها بين الفقد والإصابة والإعاقة الدائمة. لكن ما يميزها أن صاحبة الساقين المبتورتين رفضت أن تبقى حبيسة الخيمة، فصنعت من الكرتون وسيلة للمشي، ومن الألم رسالة تقول إن الحياة، مهما ضاقت، لا تزال تستحق أن تُعاش.