لم يكن الحاسوب المحمول الذي اشترته سلسبيل البردويل مجرد جهاز للعمل، بل كان بداية جديدة دفعت ثمنها بالدَّين، بعدما اقترضت قيمته في وقت كانت تحاول فيه الوقوف من جديد إثر فقدان زوجها وطفلتها في حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وجدت نفسها وحيدة في مواجهة حياة تبدلت بالكامل. الحرب لم تكتفِ بسلب عائلتها، بل قضت أيضاً على مصادر الرزق، وأغلقت أبواب العمل أمام آلاف الشباب الفلسطينيين. لكن سلسبيل، التي كانت تعمل في مجال التصميم وتجربة المستخدم والعمل الحر قبل الحرب، أدركت أن الأزمة ليست في غياب الكفاءات، بل في انقطاع الصلة بين أصحاب المهارات في غزة وسوق العمل العالمي.
من هذه الفكرة وُلدت "غزة تالنتس" (Gaza Talents)، وهي منصة رقمية تهدف إلى جمع الكفاءات الفلسطينية في مكان واحد، وربطها بالشركات وأصحاب الأعمال حول العالم، في محاولة لتحويل العمل عن بُعد إلى طوق نجاة لشباب يعيشون تحت الحصار والحرب.
وتعمل المنصة على بناء قاعدة بيانات للمستقلين وأصحاب الخبرات في أكثر من 88 تخصصاً رقمياً، تشمل البرمجة، وتصميم المواقع والتطبيقات، والتصميم الجرافيكي، والرسوم المتحركة، والتسويق الرقمي، وكتابة المحتوى، والترجمة، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المشاريع، والمحاسبة، وخدمة العملاء، وغيرها من المهن التي يمكن ممارستها عن بُعد.
ولا تقتصر خدمات "غزة تالنتس" على عرض السير الذاتية، بل تتولى مطابقة المهارات مع احتياجات الشركات، وإدارة عمليات التوظيف، وتقديم الدعم في إعداد الملفات المهنية، وإبرام العقود، وإدارة الفواتير والمدفوعات، بما يسهّل على الشركات توظيف الكفاءات الفلسطينية، وعلى المستقلين تجاوز العقبات التي فرضتها الحرب.
كما توفر المنصة برامج تدريب وتأهيل مهني بإشراف مختصين، لمساعدة الشباب والخريجين على تطوير مهاراتهم بما يتناسب مع متطلبات السوق العالمية، إضافة إلى جلسات إرشاد وتوجيه مهني لبناء مسارات مهنية مستدامة.
ووفق الأرقام التي تنشرها المنصة، فقد استفاد من برامجها التدريبية أكثر من 500 متدرب، بينما نجحت في توفير فرص عمل دائمة لأكثر من 20 شاباً وشابة، إلى جانب إتاحة فرص تعاقد حر لعدد أكبر من المستقلين داخل القطاع.
لم يكن الطريق سهلاً أمام سلسبيل. فإلى جانب الفقد، كانت تواجه انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وضعف الإنترنت، والنزوح المتكرر، وصعوبة الوصول إلى أماكن يمكنها العمل منها. ومع ذلك، كانت تتمسك بفكرة أن امتلاك الغزيين للمهارة يجب أن يكون أقوى من ظروف الحرب، وأن الاقتصاد الرقمي قد يكون أحد المسارات القليلة التي لا تستطيع الحدود المغلقة إيقافها.
واليوم، أصبحت "غزة تالنتس" أكثر من مجرد منصة توظيف؛ فهي مساحة تجمع أصحاب المواهب، وتمنحهم التدريب والتوجيه والفرصة للوصول إلى أسواق خارج حدود القطاع، في وقت وصلت فيه معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتوقفت معظم الأنشطة الاقتصادية بسبب الحرب.
قصة سلسبيل ليست قصة رائدة أعمال فقط، بل قصة امرأة حاولت أن تنتصر للحياة بعد أن خسرت أغلى ما تملك.