مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

"كنت أبحث عن الحياة في نملة".. الصحفي علاء السراج يروي رحلة الاعتقال والتعذيب في سجون الاحتلال

"كنت أبحث عن الحياة في نملة".. الصحفي علاء السراج يروي رحلة الاعتقال والتعذيب في سجون الاحتلال
"كنت أبحث عن الحياة في نملة".. الصحفي علاء السراج يروي رحلة الاعتقال والتعذيب في سجون الاحتلال

الرسالة نت- خلص

 

لم يكن يحمل سوى كاميرته وحقيبة معداته الصحفية، ويحاول النجاة مع زوجته وأطفاله بعد أن دمر الاحتلال منزله. سار الصحفي الفلسطيني علاء السراج في الطريق الذي أعلن الاحتلال أنه "ممر آمن" للنزوح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، معتقدًا أن رحلته ستنتهي في مكان أكثر أمنًا، لكنها كانت بداية رحلة أخرى امتدت منذ الأول من كانون الأول/ديسمبر 2023 داخل مراكز الاعتقال والسجون الإسرائيلية.

في ذلك اليوم، اعتقلت قوات الاحتلال السراج خلال نزوحه، بعد أن تأكدت من هويته الصحفية، وصادرت كاميراته ومعداته، وكبلت يديه وعصبت عينيه، ليبدأ مسلسل طويل من التحقيق والتعذيب والتنقل بين مراكز الاحتجاز.

ويؤكد السراج أن التحقيقات منذ اللحظة الأولى انصبت على عمله الصحفي، وتغطياته الإعلامية، وعلاقاته بزملائه، وأن مهنته كانت سببًا مباشرًا لما تعرض له من انتهاكات. ويقول: "كان الجندي يناديني: (علي... أين الصحفي؟)، وكانت كلمة (صحفي) وحدها كفيلة بأن تكون سببًا لعذابات لا تنتهي."

ويضيف أن رحلته في الاعتقال بدأت بثلاثة أشهر قضاها في معتقل "سديه تيمان"، قبل نقله إلى سجن عوفر، مشيرًا إلى أنه تعرض لكل أشكال التعذيب، "أولًا لأنني صحفي، وثانيًا لأنني أسير فلسطيني."

ويصف الساعات الأولى بعد اعتقاله بأنها كانت الأكثر قسوة، إذ تعرض للضرب المبرح حتى فقد وعيه، ثم تُرك لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، قبل نقله إلى معسكر احتجاز بقي فيه مكبل اليدين والقدمين ومعصوب العينين.

وفي حديثه عن معتقل سديه تيمان، يقول إن ما شهده هناك يفوق الوصف: "العذاب كان مريعًا، يبدأ بما يعرف بغرف (الديسكو)، ولا ينتهي بتكبيل اليدين والقدمين على مدار الأشهر الثلاثة، مع إبقاء أعيننا معصوبة. كنا نحو 150 أسيرًا في مكان مكتظ، لا نستطيع النوم أو الحركة أو حتى تغيير وضعية أجسادنا."

ويشير إلى أن سياسة التجويع كانت إحدى أدوات التعذيب اليومية، موضحًا: "كان الطعام الذي يقدم لنا لا يتجاوز ملعقة من اللبن وقطعتين من الخبز، لا تشبع ولا تسمن من جوع، ولذلك فقد معظم الأسرى أكثر من نصف أوزانهم."

ولم تتوقف المعاناة بعد نقله إلى سجن عوفر، إذ يؤكد أن التعذيب استمر بأشكال مختلفة، أبرزها التجويع والإهمال الطبي والضرب المتكرر، مضيفًا: "حتى النوم كان وسيلة للتعذيب؛ كانوا يسلموننا الفرشات عند الساعة الحادية عشرة ليلًا، ثم يسحبونها قبل الفجر، فلم يكن أحد يحصل على حقه من النوم."

ويكشف السراج أن جلسات التحقيق لم تخرج طوال أشهر الاعتقال عن سؤالين متكررين: "أين المحتجزون؟ وأين سلاح المقاومة؟"، مضيفًا: "كنا نجيب: لا نعرف، لكن مجرد هذه الإجابة كانت كافية لبدء جولة جديدة من الضرب والتعذيب."

ويختصر نظرته إلى ما جرى بقوله: "كان الجندي ينظر إلى أهالي غزة على أنهم حيوانات، وليسوا بشرًا."

وخلال أشهر الاعتقال، تنقل السراج بين معتقل سديه تيمان وسجن عوفر، فيما تشير شهادات أخرى إلى احتجازه أيضًا في سجني كتسيعوت ونفحة، حيث تعرض للضرب والإذلال، والتجريد من الملابس، والحرمان من النوم، ونقص الغذاء، ومنع العلاج، في ظروف وصفها بأنها كانت تتكرر بصورة شبه يومية.

ورغم قسوة التجربة، بقي مشهد صغير عالقًا في ذاكرته أكثر من أي شيء آخر. يقول: "كنت أبحث عن الحياة في نملة." كانت نملة صغيرة تتحرك داخل الزنزانة تمنحه شعورًا بأن الحياة ما زالت موجودة خارج الجدران، وأن العالم لم يمت بالكامل، لتتحول تلك العبارة لاحقًا إلى عنوان يلخص تجربة الأسر بأكملها.

ولم تنته معاناة السراج بخروجه من السجن؛ فقد عاد ليجد منزله مدمرًا بالكامل، ومعداته الصحفية التي تقدر قيمتها بعشرات آلاف الدولارات قد صودرت، فيما فقدت المؤسسة الإعلامية التي كان يعمل فيها أرشيفها وعددًا من صحفييها بين شهيد ومعتقل ومفقود، كما خرج وهو يحمل آثارًا نفسية وجسدية جعلت العودة إلى العمل الصحفي مهمة شاقة.

وتواصل المؤسسات الحقوقية والنقابية المطالبة بالإفراج عن جميع الصحفيين الفلسطينيين المعتقلين، مؤكدة أن استهداف الصحفي بسبب عمله في نقل الحقيقة يمثل اعتداءً مباشرًا على حرية الإعلام، وحق العالم في معرفة ما يجري داخل قطاع غزة.

بث مباشر