"احتضنته حتى النهاية"… أمٌ في غزة تفدي رضيعها بلال الهيقي بحياتها

الرسالة نت-خاص

لا تُمهل لحظات الموت أصحابها في غزة وقتًا كافيًا للاختيار، وهذا ما حدث مع والدة الرضيع بلال الهيقي التي كانت تمسك طفلها كما تمسك الأمهات قلوبهن خارج صدورهن. ولم تكن تعرف أن هذه اللحظة العابرة ستتحول إلى فاصلة بين حياتين: حياةٍ ستنتهي، وأخرى ستُكتب لها النجاة.
حين بدأ القصف، لم يكن هناك إنذار واضح ولا فرصة للهرب. الصوت كان أقرب من أن يُفهم، وأسرع من أن يُحتمل. في تلك الثانية القصيرة، لم تفكر الأم كثيرًا؛ شدّت طفلها إلى صدرها، وانحنت فوقه، كأن جسدها يستطيع أن يصدّ ما لا يُصد. لم تكن حركة محسوبة، بل غريزة خالصة: أن تحميه، مهما كان الثمن.
انهار المكان، وامتلأ الهواء بالغبار والصراخ. وغطت النيران باب الخيمة فلم تجد الأم منفذا للهرب.
 دقائق ثقيلة مرّت قبل أن يصل المسعفون، يفتشون بين الركام عن أي علامة حياة. هناك، وجدوا المشهد الذي سيتحوّل لاحقًا إلى حكاية تُروى: الأم ساكنة بلا حراك، وقد أحاطت طفلها بذراعيها حتى اللحظة الأخيرة، والرضيع تحتها… حي.
بلال لم يبكِ بصوتٍ عالٍ، كأن الصدمة كانت أكبر من أن تُترجم إلى دموع. كان محميًا في المساحة الضيقة التي صنعتها له أمه بجسدها، كأنها في لحظتها الأخيرة أعادت تشكيل العالم حوله ليبقى هو داخله. جسدها امتصّ ما استطاع من شظايا وقوة الانفجار، وتركت له ما تبقى من فرصة للحياة.
نُقل الطفل من تحتها بحذر، فيما بقيت هي في مكانها، شاهدة على قرار لم يُكتب بالكلمات. لم تترك رسالة، ولم تنطق بوصية، لكن ما فعلته كان كافيًا ليُفهم كل شيء. 

في غزة، حيث تتكرر الحكايات حتى تكاد تتشابه، تظل بعض التفاصيل قادرة على كسر هذا التشابه، لتقول إن الأمومة، في أقسى الظروف، يمكن أن تكون فرصة نجاة أخيرة.
يكبر بلال يومًا بعد يوم، وسيُقال له إن حياته بدأت مرتين: مرة حين وُلد، ومرة حين حَمَته أمه بجسدها. سيُقال له إن بينه وبين الموت لحظة واحدة، اختارت فيها أمه أن تقف مكانه. وفي مدينةٍ تُثقلها الخسارات، سيبقى اسمه مرتبطًا بتلك اللحظة، حيث انتصرت الحياة، ولو على حساب حياةٍ أخرى.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لم يتحول الاتفاق إلى هدنة حقيقية على الأرض. فوفق الإحصاءات، سُجّل أكثر من 2400 خرق خلال نحو ستة أشهر، تنوّعت بين إطلاق نار وقصف وتوغلات، وأسفرت عن استشهاد ما يقارب 830 فلسطينيًا وإصابة أكثر من 2300 آخرين. وحتى في شهر واحد فقط، كأبريل 2026، وثّقت التقارير ما بين 337 و377 خرقًا، أودت بحياة 111 شهيدًا. أرقامٌ لا تُقرأ كإحصاءات مجردة، بل كدليلٍ على هدنةٍ مُعلّقة، تُعلن في نشرات الأخبار فقط.