في أحد أقسام مجمع الشفاء الطبي، حيث تتقاطع أصوات الأجهزة مع أنفاسٍ متقطعة لمرضى ينتظرون دورهم في النجاة، لم تكن قصة الطفل يمان بركات حالةً منفصلة، بل تفصيلًا صغيرًا داخل مشهدٍ أكبر… مشهد نظامٍ صحيٍّ ينهار ببطء، ويحاول في الوقت نفسه أن يبقى حيًا.
العملية التي أنقذت الطفل من إعاقة دائمة لم تكن مجرد نجاحٍ طبي، بل كانت محاولة مقاومة داخل غرفة عمليات. ففي غزة اليوم، تحولت عملية كهذه إلى مغامرة تُحسب بالدقائق، وبما يتوفر من أدوات، وبما يمكن إنقاذه قبل أن ينفد كل شيء.
وفق بيانات حديثة، يعيش القطاع الصحي في غزة حالة انهيار غير مسبوقة. فقد تضررت أو دُمّرت نحو 94% من المستشفيات، ما جعل القدرة التشغيلية شبه معدومة في كثير من المناطق.
ومع خروج عدد كبير من المرافق عن الخدمة، تعمل المستشفيات المتبقية بما يتجاوز 359% من طاقتها الاستيعابية، وهو رقم يعكس حجم الضغط الهائل على ما تبقى من النظام الصحي.
داخل هذه المستشفيات، لا تتوقف الأرقام عند حدود البنية التحتية.
أكثر من 172 ألف جريح منذ بداية الحرب، كثير منهم بحاجة إلى عمليات معقدة أو متابعة طويلة الأمد؛ بالإضافة إلى آلاف حالات البتر، وآلاف آخرون ينتظرون تدخلًا جراحيًا قد لا يأتي في الوقت المناسب.
وفي المقابل، هناك ما يزيد عن 350 ألف مريض مزمن حُرموا من الرعاية الطبية المنتظمة، بينهم مرضى سكري وقلب وسرطان، في ظل نقص حاد
وفي بيئةٍ كهذه، الأمراض تنتشر، وسوء التغذية يتفاقم، خاصة بين الأطفال. تشير تقديرات إلى أن أكثر من 90% من الأطفال دون الخامسة أصيبوا بمرضٍ معدٍ واحد على الأقل خلال فترات قصيرة، نتيجة الاكتظاظ وسوء المياه وانهيار خدمات الصرف الصحي .
كما ارتفعت نسب سوء التغذية الحاد بشكل خطير، في ظل انعدام الأمن الغذائي الذي يطال معظم السكان.
وسط كل هذا، تصبح قصة طفلٍ نجا من إعاقة دائمة أكثر من مجرد خبر.
بل معجزة حقيقية، لأنه وفي داخل غرفة العمليات، لم يكن الفريق الطبي يعمل فقط على مفصل حوضٍ صغير، بل كان يعمل داخل منظومة تتفكك من حوله. كل قرار، كل حركة، كل دقيقة، كانت تُحسب على حافة نقصٍ في الكهرباء، أو دواء، أو حتى وقت.
خارج الغرفة، كانت والدته تنتظر، مثل آلاف الأمهات اللواتي ينتظرن شيئًا لا يمكن ضمانه. وفي غزة، الانتظار ليس زمنًا عاديًا، بل مساحة بين الحياة وما يمكن أن يُسلب منها فجأة.
لكن العملية نجحت و النجاح هنا لا يُقاس فقط بسلامة الطفل، بل بقدرة النظام نفسه—رغم انهياره—على إنتاج لحظة حياة.
في قطاعٍ تُغلق فيه المعابر، وتتوقف فيه التحويلات الطبية، ويُترك فيه المرضى بين التأجيل والخطر، تتحول كل عملية ناجحة إلى شهادةٍ مزدوجة:شهادة على مهارة الأطباء…وشهادة على حجم ما يواجهونه.
وهكذا، بين الأرقام الثقيلة—مستشفيات مدمرة، طواقم مستهدفة، مرضى بلا علاج—يبقى هناك دائمًا مشهد صغير، مثل يمان، يذكّر بأن الحياة، حتى في أكثر الأماكن هشاشة، لا تزال تحاول أن تجد لها طريقًا.