في الثالث من أيار/مايو من كل عام، يحتفي صحفيو العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، لكنّ الوضع في فلسطين مختلف، وخاصة في قطاع غزة؛ فهذا اليوم يقلب المواجع لدى صحفيي القطاع، إذ يستذكرون زملاءهم الراحلين بعد استهداف طائرات الاحتلال الإسرائيلي لهم، في محاولة لقتل الحقيقة ومحاربة المحتوى الفلسطيني. كما يشكّل هذا اليوم مناسبةً للتنقيب عن مصير زملاء غيّبتهم غياهب السجون الإسرائيلية؛ فمنهم من عُرف مكانه، وثلاثة ما يزال مصيرهم مجهولًا حتى اليوم.
في حرب الإبادة الجماعية التي اندلعت في 7 تشرين الأول/أكتوبر، زادت المعاناة حيث استُهدف الصحفيون ومقارّهم بشكل متعمّد وعلى الهواء مباشرة، في رسالة مفادها "طمس الحقيقة وملاحقة كل من يفضح ممارسات الاحتلال"، حتى ارتقى نحو 262 صحفيًا وصحفية؛ منهم من اغتيل في خيمته وهو يجهّز نفسه للخروج في بث مباشر لنقل الحقيقة، وآخرون أثناء توجههم إلى مواقع الأحداث، وكُثر في أماكن اتخذوها مقارّ بديلة للتغطية بعد قصف مكاتبهم.
كما أُصيب نحو 429 صحفيًا وصحفية منذ السابع من أكتوبر، واعتُقل العشرات منهم، ولا يزال داخل المعتقلات الإسرائيلية 39 صحفيًا، إضافة إلى ثلاثة ما تزال آثارهم مفقودة، وهم: نضال الوحيدي، هيثم عبد الواحد، وأحمد الأغا.
ويعاني الصحفيون في قطاع غزة كحال المواطنيين تحت النار من ظروف صحية ونفسية وحياتية قاسية حالت مرارا دون الوصول إلى عملهم الميداني.
في هذا التقرير يستعرض موقع "الرسالة نت" بعض العوامل التي أثرت على عمل الصحفيين والصحافيات في الميدان خلال حرب الإبادة الجماعية.
- تشتّت العائلات وانعدام الأمان الاجتماعي:
معاناة الصحفيين لم تقتصر عليهم فقط، بل امتدت إلى عائلاتهم التي تشرّدت بين مناطق النزوح، في ظل خوف البعض من استقبالهم بسبب الاستهداف المباشر لهم، عدا عن تدمير بيوتهم ونزوحهم ومعاناتهم الشديدة في البحث عن أبسط الاحتياجات الغذائية لصغارهم.
وخلال فترة المجاعة، كان المراسل والمصوّر بالكاد يستطيعان الوقوف لتوثيق الأحداث، كي تصل إلى العالم عبر شبكة إنترنت ضعيفة؛ إذ كانوا يبحثون عن الفتات، أي شيء يُبقيهم قادرين على مواصلة العمل.
- الاستهداف والاغتيال منذ اللحظة الأولى:
تعرّض الصحفيون في غزة للاستهداف المباشر منذ بداية الحرب، في محاولة واضحة لإسكات صوتهم ومنع نقل الحقيقة؛ إذ قُصفت مقارّهم الإعلامية منذ الساعات الأولى، وقُتلوا على الهواء مباشرة، فيما واصلت "إسرائيل" التمادي في استهدافها للصحافة، رغم أن جرائمها كانت تُرتكب على مرأى ومسمع العالم، دون أن يحرّك القانون الدولي ساكنًا؛ إذ وقف الجميع متفرجًا من دون ملاحقة أو محاسبة.
وكثير من الصحفيين تخفّوا، وبقيت أقلامهم تكتب بأسماء مستعارة، أو تُنشر نصوصهم من دون أسمائهم، ومع ذلك كانوا يتعرّضون للاستهداف.
ولعلّ ما ميّز هذه الحرب بروز صحفيين جدد، علّمهم الميدان كل تفاصيل نقل الخبر وتوثيق الحقيقة بأبسط الإمكانيات المتوفرة، بكاميرا الهاتف، وابتكروا طرقًا مختلفة للحصول على الإنترنت؛ فكان هؤلاء الصحفيون أيقونةً للحرب، وصلوا بأسلوبهم البسيط إلى شعوب العالم، ونقلوا الحقيقة. ومنهم الشهيد الصحفي أنس الشريف ، الذي اغتالته طائرات الاحتلال بينما كان يقيم في خيمة في الشارع.
كما خسرت الساحة الإعلامية أسماء بارزة شكّلت مصدرًا رئيسيًا لتوثيق الأحداث، خصوصًا في المناطق الشمالية التي شهدت عزلة وقصفًا مكثفًا.
- محاربة المحتوى الغزّاوي وقطع الإنترنت:
تعمد الاحتلال قطع خدمات الإنترنت والاتصالات بشكل ممنهج، في محاولة لعزل غزة إعلاميًا وطمس الرواية الفلسطينية. ورغم ذلك، لم يتوقف الصحفيون عن أداء واجبهم؛ إذ كانوا يقطعون مسافات طويلة بحثًا عن إشارة اتصال، خاصة بعد تدمير البنية التحتية للشبكات. وكثيرًا ما اتجهوا نحو شاطئ البحر أو المناطق المرتفعة لالتقاط بث ضعيف يمكّنهم من إرسال موادهم. ومن هناك، واصلوا نشر المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية والدولية، محمّلين مقاطع توثّق المجازر لحظة بلحظة. وقد أدرك الاحتلال منذ البداية أن كل مواطن غزّي بات شاهدًا وناقلًا للحقيقة، فحاول محاصرة الصوت والصورة كما حاصر الإنسان.
- الاعتقال في ظروف قاسية:
اعتُقل عدد من الصحفيين وتعرّضوا لظروف احتجاز قاسية، وسط غياب المعلومات الدقيقة حول أوضاع بعضهم. وداخل السجون، تعرّضوا لأبشع أساليب التعذيب الجسدي والنفسي، حتى قال بعضهم إنهم كتبوا عشرات القصص والتقارير عن الأسرى، ولم يتوقعوا يومًا أن يصبحوا هم القصة. ذاقوا صنوفًا قاسية من التعذيب لأشهر طويلة، وخرج بعضهم وقد فقدوا ذويهم خلال فترة اعتقالهم. كما تعرّضوا لتهديدات مباشرة داخل السجن، خاصة في حال مواصلة عملهم الصحفي بعد الإفراج عنهم.
وحاول بعضهم إخفاء هويته الصحفية خشية العقاب، لكن حين كُشف أمرهم، كانت العقوبات أشد وأقسى.
- إصابة العشرات منهم خلال التغطية:
أُصيب مئات الصحفيين خلال تغطيتهم الميدانية، بعضهم بإصابات بالغة تركت آثارًا دائمة على حياتهم المهنية والشخصية، في ظل نقص حاد في الرعاية الطبية. ولم يكتفِ الاحتلال بإصابتهم، بل ماطل في منح التحويلات الطبية، ما فاقم من أوضاعهم الصحية، كما حدث مع الصحفي فادي الوحيدي الذي تأخر علاجه وتدهورت حالته. وفي المقابل، أصرّ عدد من الصحفيين على العودة إلى الميدان رغم إصاباتهم القاسية؛ فمنهم من فقد أحد أطرافه، لكنه واصل العمل، متحديًا الألم، ومتمسكًا برسالته في نقل الحقيقة مهما كان الثمن.
- الاستغلال المهني من مؤسسات خارج القطاع:
استغلت بعض المؤسسات الإعلامية الخارجية حاجة الصحفيين في غزة للعمل، فشغّلتهم بأجور متدنية، ثم استغنت عنهم مع تراجع التغطية، في ظل غياب الاستقرار المهني وضغط الظروف الميدانية.
ويواجه الصحفيون والصحفيات فجوة واضحة في الدعم والاعتراف، إذ فقد كثير منهم أدواتهم الأساسية مثل أجهزة اللابتوب والهواتف الذكية نتيجة القصف، وتحولت معداتهم إلى ركام، ما اضطرهم للعمل بأبسط الإمكانيات المتاحة.
وفي المقابل، كان من المثير للاستفزاز بالنسبة لهم الإعلان عن تدريبات وتمويلات تحمل اسم غزة، تشمل دعمًا وتوفير أجهزة للعمل، لكنها غالبًا ما كانت تُمنح لأشخاص خارج القطاع لا علاقة لهم بالعمل الميداني فيه.
وحتى في حال وصول بعض هذه المساعدات إلى غزة، كانت تصل—كما يصفها الصحفيون—إلى "عظام الرقبة"، وغالبًا إلى أشخاص لا يمارسون الصحافة أصلًا.
كما أن التدريبات عن بُعد كانت في كثير من الأحيان مدفوعة وتذهب لغير الغزيين، رغم أن الحاجة الفعلية كانت داخل القطاع. ويعزز هذه الفجوة غياب الرقابة أو وجود جهة إعلامية رسمية تحاسب وتضمن عدالة توزيع الدعم والفرص.