لم يكن في المشهد ما يوحي بالخطر؛ شارعٌ هادئ نسبيًا في شمال قطاع غزة، بقايا ركام، وأجسام متناثرة تركتها الحرب خلفها كأنها انسحبت على عجل.
بالنسبة لطفل في الثانية عشرة من عمره، مثل محمد أبو عودة، بدا كل شيء أقرب إلى فضولٍ مفتوح… لا إلى موتٍ مؤجل.
خرج محمد من منزله كما يفعل أي طفل، لا يحمل في ذهنه سوى يومٍ عادي في مدينة اعتادت أن تُخفي الخطر داخل تفاصيلها. وبين الحجارة وبقايا المعادن، لفت انتباهه جسم غريب. لم يكن يعرف أنه من مخلفات الحرب، ولم يخبره أحد أن بعض الأشياء يتركها الاحتلال لتنفجر لاحقًا.
اقترب؛ وفي لحظة واحدة، انقلب كل شيء.
دوّى انفجارٌ قصير، حاد، مزّق الصمت، وبدّل المشهد بالكامل. لم يكن هناك وقت للهرب، ولا فرصة للفهم. حين وصل من حوله إليه، كان محمد قد فقد القدرة على رؤية العالم. أصابته الشظايا في وجهه ويديه، وأُصيب بإصابات بالغة أدت إلى فقدانه البصر وبتر عدد من أصابع يده.
أُسعف إلى المستشفى، حيث بدأت تتضح ملامح الفاجعة.
هناك، كان محمد يجلس إلى جانب والده، جسده الصغير مثقلًا بالألم، وصمته أثقل من الجراح. لم يكن يرد على من حوله، فلا كلمات هنا في حضور الألم.
إلى جواره، كان والده يحاول أن يثبّت ما يمكن تثبيته من هذا العالم المنهار. قال بصوتٍ مكسور لكنه متماسك:
"والله إن هذا اللغم لم يُصِب عيني محمد فقط… بل أصاب قلبي.
وسأظل عكازه ويده ويديه طوال عمري… ويشهد الله على ذلك."
في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مجرد إصابة طفل، بل انكسار عائلة كاملة.
الأطباء حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن الضرر كان كبيرًا. فقدان البصر كان نهائيًا، وإصابات اليد سترافقه طويلًا. وبين الأجهزة الطبية والضمادات، بدأ محمد يتعرّف على عالم جديد، يعتمد فيه على الصوت واللمس بدل النظر.
وفي المحصلة، لا يتوقف عدّ الضحايا عند لحظة الصمت، ولا تُغلق دفاتر الحرب بانتهاء القصف. فبينما تجاوز عدد الجرحى في قطاع غزة 170,395 مصابًا، تبقى مخلفات الحرب قادرة على صناعة ضحايا جدد كل يوم، بلا إنذار ولا صوت يسبق الانفجار. ورغم غياب رقم رسمي دقيق، تشير التقديرات الميدانية إلى أن مئات الفلسطينيين أُصيبوا جراء الأجسام غير المنفجرة، في وقت جرى فيه رصد أكثر من 650 جسمًا خطيرًا في مناطق محدودة فقط، ما يعني أن العدد الحقيقي لهذه الذخائر قد يصل إلى آلاف منتشرة تحت الركام.
في غزة، لا تنتهي الحرب عندما يتوقف القصف. تبقى آثارها في الأرض، في الأزقة، بين الركام، وفي الأجسام الصغيرة التي تبدو بلا خطر. مخلفات الحرب، أو الذخائر غير المنفجرة، تتحول إلى تهديد صامت، يترصّد الأطفال تحديدًا، لأنهم الأقرب إلى الفضول، والأبعد عن إدراك الخطر.