مقال: من يغار من محرقتهم؟

كتب وسام عفيفة

يراودني شعور الغيرة من المحرقة أو "الهولوكوست" اليهودي، ليس حسدا لما تعرضوا له من مجازر على يد النازية خلال الحرب العالمية الثانية كما يزعمون، ولكن الغيرة أنهم استطاعوا أن يحولوا قصة المحرقة إلى سلاح احتلوا من خلاله فلسطين وسط دعم وتعاطف دولي غير مسبوق في التاريخ الحديث.

نغار أيضا لأنهم استطاعوا أن يحفظوا هذه القصة ويمجدوها، بينما يمارسون أبشع المحارق بحقنا وعذرهم أنهم أبناء ضحايا المحرقة.

أكثر من ذلك أنهم نجحوا في غسيل دماغ العالم بما فيه الفلسطينيين "بالهولوكوست" حتى كادوا فرضه في منهاج مدراس وكالة الغوث.

وهكذا تعرضنا لأضخم حملة إعلامية في التاريخ، فقد كنت امنع نفسي من البكاء وانا أشاهد الأفلام الدرامية والتسجيلية والمسلسلات التلفزيونية التي تروي قصة المحرقة، وأنها صناعة ألمانية، مرتبطة بالعنصرية النازية تحديدا، التي كانت موجهة ضد اليهود واليهود وحدهم، وهي نظرة تلقى أيضا من يشكك في صحتها وينقدها بل وينفيها بأبحاث وكتابات مضادة في الغرب.

 ومع التكرار أصبحنا نحفظ التفاصيل الأليمة ونتعاطف معها مثل رئيسنا أبو مازن الذي عبر عن غضبه وحزنه الشديد وتعاطفه مع اليهود بسبب جريمة المحرقة بالتزامن مع الاحتفال السنوي المهيب الذي تحييه دولة المحرقة في أبريل من كل عام.

أما نحن الفلسطينيون الذين نعيش محرقة منذ الـ48 و"تنحرق" أعصابنا ودمنا يوميا، مازلنا لا نجيد توثيق وترويج آلامنا وجراحنا، ولم نتمكن من تحويلها إلى سلاح ضد الاحتلال.

ينبغي -على الأقل- أن نتعلم من قاتلنا ونقلده في ترويج محرقته، وهو يذكرنا بها كل عام ، بل جعلها حاضرة باعتبارها جزءا أساسيا من الحاضر والتاريخ والذاكرة، وأنشأوا مؤسسة "ياد فاشيم" عام 1953 على جبل في الجزء الغربي من مدينة القدس المحتلة كمركز عالمي توثيقي وبحثي وتعليمي لتخليد ذكرى الهولوكوست، فأصبحت ملتقىً دوليا للأجيال، حيث يأتي كل عام مئات الألوف من الزوار من جميع أصقاع الأرض، ويضم أكبر وأشمل أرشيف في العالم للمواد المتعلقة بالهولوكوست، يحوي نحو 68 مليون وثيقة وما يزيد عن 300 ألف تصوير وآلاف الأشرطة وكاسيتات الفيديو التي تقدم شهادات الناجين من الهولوكوست.

إلى جانب هيكل الأسماء يستهدف إحياء ذكرى الضحايا اليهود الذين هلكوا خلال الهولوكوست كبشر وكأفراد لكل منهم هويته الخاصة به.

لهذا السبب أغار من محرقتهم لأننا نحتاج أن نخلد محارقنا ومجازرنا التي لا زلنا نكتوي بنارها، وينبغي أن نحولها سلاحا في عقول أطفالنا، لا يكفي أن نهتف ونرفع الشعارات، ونشعل الأرض بالخطب الرنانة، لان الحكاية ليست بطول اللسان، ولكن بطول عمر الذاكرة وبقائها حية، حتى إذا مات الكبار لا ينسى الصغار.