أسيل زرعي.. امرأة واحدة في مواجهة كل شيء

الرسالة نت- خاص

بوجهٍ يملؤه المرض، وبصوتٍ متقطّع لا تكاد حروفه تخرج، تجلس أسيل زرعي، 34 عامًا، أمام خيمتها في مدينة خان يونس التي لا تقي حرًّا ولا بردًا.

تحاول أن تتماسك وهي تروي حكايتها، لكن الكلمات نفسها تبدو متعبة… مثلها تمامًا.

أسيل، أمّ لأربعة أطفال، لا تعرف أين زوجها. غاب، وصار في عداد المفقودين، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ، وثقلًا لا يُحتمل. لم يكن الغياب وحده ما أثقلها، بل ما يسكن جسدها أيضًا: سرطان ينهشها، تصلّب في الجلد يُقيّد حركتها، وثلاسيميا تستنزف ما تبقّى من قوتها. جسدٌ مثقلٌ بالأوجاع، وحياةٌ لا تمنحها فرصة للراحة.

تقول بصوتٍ خافت: “لا أستطيع الحركة… لا أستطيع خدمة أطفالي.”

ثم تصمت، وكأن الصمت أقدر على التعبير من الكلام.

في الخيمة، لا يوجد ما يشبه الحياة التي تُعرف. ابنتها ذات الاثني عشر عامًا لم تعد طفلة كما ينبغي، بل صارت ربّة منزلٍ صغيرة، تدير ما تبقّى من تفاصيل يومٍ ثقيل. تطبخ إن وُجد طعام، تنظّف، وتعتني بإخوتها، بينما تراقب أمّها التي تتآكل أمامها ببطء.

أسيل لا تطلب الكثير. لا تتحدث عن أحلامٍ كبيرة أو مستقبلٍ بعيد. كل ما تقوله، بنبرةٍ تختلط فيها المرارة بالاستسلام: “الحياة صعبة… الحياة ليست جميلة.”

في محيطٍ تملؤه الخيام والفقر، حيث المرض لم يعد استثناءً بل صار جزءًا من المشهد، تبدو حكاية أسيل كأنها تختصر وجعًا أكبر. امرأة تقاتل جسدها، وغياب زوجها، وثقل مسؤولية أربعة أطفال، في وقتٍ لا تجد فيه من يسندها.

وحين تُسأل: ماذا تفعل امرأة مصابة بالسرطان وهي المعيل الوحيد لأطفالها؟

لا تجيب مباشرة. تنظر إلى أطفالها أولًا… ثم إلى السماء.

وكأنها تناجي الله بحلٍّ لا يلوح في الأفق، أو بنهايةٍ أقلّ قسوة من هذا الانتظار الطويل.

وفي قطاع غزة، هناك أكثر من 22 ألف امرأة فقدن أزواجهن وأصبحن أرامل، ونحو 57 ألفًا وجدن أنفسهن فجأة المعيل الوحيد لأسرٍ أنهكها الفقد. 

في الوقت ذاته، تقف آلاف النساء المريضات في مواجهةٍ غير متكافئة مع أجسادهن، في ظل واقع صحي منهار؛ حيث دُمّر أو تضرّر 94% من المرافق الطبية، فيما يصارع أكثر من 12,500 مريض سرطان—تشكل النساء أكثر من نصفهم—مرضًا بلا علاج كافٍ.

وفي خلفية هذا كله، يتمدّد الجوع كظلٍ ثقيل: نحو 790 ألف امرأة وفتاة يعانين من انعدامٍ حاد في الأمن الغذائي، بينما تكافح آلاف الأمهات لإطعام أطفالهن في بيئةٍ لا تمنحهن فرصة النجاة. ومع بطالةٍ نسوية تلامس 92%، تصبح الحياة نفسها عبئًا يوميًا لا يُحتمل.