شكلت التجربة الاعتقالية للأسرى الفلسطينيين في معتقل النقب الصحراوي "أنصار 3" في بعض جوانبها حالة استثنائية لعلاقة الثائر مع أعدائه سواء من الاحتلال أو أعوانه في صورة تشبه إلى حد ما حالة العرب الثائرين وأعدائهم الانقلابين هذه الأيام.
فمن بين أقسام المعتقل الكبير والذي ضم بين أسلاكه الشائكة وتحصيناته العتيدة آلاف المعتقلين الفلسطينيين خلال الانتفاضة الاولى كان هناك قسم يطلق عليه بالعبرية "كيلي شيفع", بينما كان يسميه المعتقلون "الماخور", لان سلطات المعتقل خصصت فيه قسما للعملاء الذين تكشفهم فصائل المقاومة الفلسطينية, ويفرون من بين صفوف الاسرى إلى إدارة المعتقل, من أجل حمايتهم فيودعون هذا القسم "الماخور", لتستخدمهم بعد ذلك مخابرات الاحتلال في المهام القذرة ضد المعتقلين والمقاومين, بل ينتهكوا كرامة أنفسهم بممارسات رذيلة ضد بعضهم.
على شاكلة هذا الماخور (الإسرائيلي), تحولت اليوم إحدى الدول العربية الى نفس الدور في استيعاب الهاربين من الثورات الشعبية او من سقطوا سياسيا, أو أولئك الذين سرقوا مقدرات بلدانهم واصبحوا عصابة يتم استخدامها في إطار المؤامرات الاقليمية.
في قسم (ب) الذي ضم عددا كبيرا من الأسرى الموقوفين في انتظار محاكماتهم من سلطات الاحتلال, تمكنت لجنة أمنية لإحدى الفصائل من اكتشاف عميل, وبعد إخضاعه للتحقيق اعترف بارتباطاته ونشاطاته الخيانية. في تلك الأيام كان المعتقلون يطلقون على العميل لقب "عصفور", وخشية من تنفيذ العقاب بحقه, كان العميل يستغل أول فرصة للفرار وتسليم نفسه لإدارة السجن.
عملية هروب "العصفور" كانت لها طقوس خاصة ضمن الإجراءات الأمنية التي تفرضها إدارة السجن, فقد رسم أمن المعتقل خطين الأول أبيض والثاني أحمر أمام المعتقلين, يحظر عليهم تجاوزه خلال عملية العد اليومي, وإلا تعرضوا للقتل, لهذا باتت هناك تعليمات واضحة بهذا الشأن للعملاء.
في صباح ذلك اليوم وخلال العد الروتيني, فاجأنا "العصفور" بالطيران, فقد تسلل من بيننا متوجها نحو السجانين, وعندما اجتاز الخط الأبيض استنفر الجنود, وانطلقت شتائم ولعنات المعتقلين, وسادت حالة الهرج والمرج, ركع العصفور الهارب على ركبتيه قبل أن يجتاز الخط الأحمر وحبا على يديه وقدميه حتى وصل إلى بساطير الجنود, حينها قيدوه ونقلوه إلى الماخور, ليعيش أسيرا ذليلا مهانا يستخدمه الاحتلال أبشع وأقذر استخدام.
العديد من العصافير لدينا, وفي دول عربية, طارت قبل وبعد ثورات الربيع العربي وحطت في الماخور العربي بعدما هربت من الغضب الشعبي وثورة الشعوب ضد السجانين وأمراء الأجهزة الأمنية.
بعض هؤلاء أوكلت لهم مهام استخبارية وإعلامية قذرة, ويمارسون الدعارة السياسية والإسقاط الوطني والأخلاقي ضد الأحرار من زعماء وشعوب المنطقة, ويجري الآن استخدامهم في الانقلاب ضد الثورات, والشرعيات.
من يتساءل عن مصير هؤلاء الذين يعيشون الآن في الماخور العربي يمكنه أن يعود للماضي لاكتشاف مصير العملاء الذين عاشوا في الماخور (الإسرائيلي) في سجن أنصار, لقد كانت نهايتهم إما القتل أو الهروب خارج الوطن إلى الأبد, بعدما انتهى دورهم وأصبحوا ورقة محروقة لدى الاحتلال, ومن بقي منهم على قيد الحياة يعيشون الآن منبوذين, يرفض (الإسرائيليون) إقامتهم في مدنهم, وطردهم الفلسطينيون من بلداتهم العربية داخل فلسطين المحتلة عام 48.
والنتيجة: لكل عصفور نهاية, والماخور سيسقط , وحراس الدعارة إلى زوال.