أريج السعافين.. عينٌ واحدة لا ترى العالم كما كان لكنها ما زالت تحاول أن ترسمه

الرسالة نت- خاص

في زاوية خيمةٍ مهترئة جنوب قطاع غزة، تجلس أريج بصمتٍ طويل، تحدّق بعينها الوحيدة في فراغٍ لا يشبه ما كانت تعرفه يومًا.

كانت ترى العالم سابقًا بتفاصيله الدقيقة… الآن تحاول فقط أن تثبّت الصورة كي لا تهتز.

أريج، تلك الصبية التي أحبت الرسم منذ كانت في الثانية عشرة، لم تكن ترسم أي شيء عابر.

كانت ترسم العيون تحديدًا—بإتقانٍ لافت، بعمقٍ يشبه قدرتها على قراءة ما خلف النظرات. كانت تقول إن العين “تحكي أكثر مما يقول الكلام”.

لكن ذلك الشغف توقّف عند لحظةٍ واحدة.

حين أُجبرت عائلتها على النزوح من منزلها في مدينة غزة نحو الجنوب، تحت تهديد القصف، لم تكن أريج تعلم أن الطريق سيبتلع حياتها كما هي.

في منتصف الرحلة، باغتتهم الطائرات.

ضربة واحدة… كانت كافية لتقسيم حياتها إلى “قبل” و“بعد”.

استُشهد شقيقها في المكان. وأُصيبت والدتها.

أما أريج… فدخلت في نزيفٍ حاد، في عينها وأحشائها، قبل أن تُنقل إلى المستشفى حيث قرر الأطباء استئصال عينها اليمنى وجزءٍ من أمعائها لإنقاذ حياتها.

تقول أمها بصوتٍ مكسور: “يا ريتهم أخذوا عيوني أنا الاثنين… ولا أخذوا عين أريج.”

لم تكن الخسارة شكلية فقط. الجزء الأيمن من وجه أريج أصبح مشوّهًا جزئيًا، لكن الأشد قسوة كان ما لا يُرى—ذلك الانكسار العميق الذي أصاب روحها.

رحلة علاجٍ طويلة خاضتها الفتاة الصغيرة، انتهت بواقعٍ جديد: عين واحدة فقط ترى بها العالم. لكن حتى هذه العين لم تعد كما كانت.

“أشعر بعدم توازن… حين أركّز في الرسم، كل شيء يهتز. الرؤية ضبابية، كأن العين اليسرى تعبت من حمل كل شيء وحدها”، تقول أريج وهي تحاول أن تخفي دموعها، لكنها تفشل.

كانت تحلم أن تعود لترسم العيون وأن تعيد الحياة إلى الوجوه على الورق؛ لكنها اليوم، لا تستطيع رسم عينٍ كاملة دون أن تشعر بأنها تفقد توازنها… وكأن اللوحة نفسها ترفض أن تكتمل.

طلبت عائلتها تحويلة طبية عاجلة لتركيب عين صناعية وتحسين حالتها، لكن الرد كان قاسيًا: “هناك حالات أكثر إلحاحًا.”

في قطاعٍ أنهكته الحرب والحصار، لم يعد الألم معيارًا كافيًا للحصول على العلاج. الأولوية تُقاس بما هو “أكثر خطورة”، لا بما هو “أكثر وجعًا”؛ لأن الاحتلال يحاصر غزة.

أريج لا تطلب الكثير؛ تريد فقط عينًا صناعية، لتشعر أن ملامحها أقل قسوة في مرآة الآخرين.

تريد أن تتوقف نظرات الشفقة… ونظرات الاستغراب: “بدي أكون طبيعية… بس شوي”، تقولها بصوتٍ خافت.

لكن خلف هذه الجملة البسيطة، تختبئ قصة أكبر: قصة جيلٍ كامل في قطاع غزة، سُرقت منه ملامحه، وأحلامه، وحتى قدرته على الحلم.

آلاف المصابين ما زالوا ينتظرون فرصة علاج، في ظل حصارٍ يضيّق على خروجهم، ويؤجل شفاءهم إلى أجلٍ غير معلوم.

وبين هؤلاء، تقف أريج—بوجهٍ نصفه غائب، وروحٍ تبحث عن توازنها.

ورغم كل شيء…ما زالت تحتفظ بدفتر رسمٍ قديم.تفتحه أحيانًا.

تلمس الرسومات بأصابعها.

وتتوقف طويلًا عند العيون التي رسمتها يومًا بكلتا عينيها.

ثم تهمس: “يمكن… يومًا ما… أرجع أشوفها زي زمان.”

وأريج سطر في مأساةٍ أوسع. فوفق تقديراتٍ طبية محلية، سُجّل نحو 17 ألف إصابة في العيون خلال الحرب، أي ما يقارب 11% من إجمالي الإصابات، من بينهم أكثر من 3 آلاف شخص فقدوا بصرهم بالفعل.

وبين هذه الأرقام، يقف الأطفال في دائرة الخطر الأكبر، إذ يشكّلون نحو 20% من المصابين.

ولا تتوقف الكارثة عند هذا الحد؛ فحوالي 5 آلاف مصاب مهددون بالعمى بسبب نقص العلاج والتدخلات الجراحية، في ظل نظام صحي منهك وحصار يقيّد فرص السفر للعلاج. 

وتشير البيانات إلى أن نحو 18% من إصابات العيون انتهت باستئصال العين، فيما تحتوي 34% من الحالات على شظايا أو أجسام غريبة داخل العين، بينما تعرّض 9% من المصابين لإصابات في كلتا العينين، ما يرفع احتمالات فقدان البصر بشكل كامل.

في هذا المشهد المثقل بالأرقام، تبدو أريج أكثر من مجرد قصة فردية؛ إنها واحدة من آلاف الوجوه التي فقدت عيونها… أو كادت، وما زالت تنتظر فرصةً لترى الحياة من جديد.