وجعٌ بلا مخدّر..  أزمة علاج الأسنان في غزة!

WhatsApp Image 2026-04-26 at 10.40.37 PM.jpeg
WhatsApp Image 2026-04-26 at 10.40.37 PM.jpeg

الرسالة نت - خاص

في قطاع غزة، لم يعد ألم الأسنان مجرد وجع عابر يمكن تأجيله، بل تحوّل إلى معاناة يومية تثقل كاهل المرضى، في ظل نقص حاد في الإمكانيات وارتفاع غير مسبوق في تكاليف العلاج.
في زيارة لإحدى عيادات الأسنان أخبرنا أحد المرضى الذي طلب عدم ذكر اسمه أن تكلفة علاج الأسنان أصبحت مرتفعة إلى درجة دفعته لمحاولة الاستدانة، ليس فقط لعلاج نفسه، بل لعلاج زوجته أيضًا. 
يروي قصته بصوت مثقل: "لم يعد الألم هو المشكلة الوحيدة، بل القدرة على الوصول إلى العلاج أصلًا، في واقع اقتصادي منهك لم يعد يحتمل أعباء إضافية."
بين أروقة واحدة أخرى من العيادات القليلة التي ما زالت تعمل بأقل الإمكانات، يصف طبيب الأسنان الدكتور حسن مقداد الأزمة بجملة واحدة: “لا توجد أدوات” موضحًا أن المشكلة لا تتعلق فقط بغياب الأجهزة، بل بتفاصيل دقيقة داخل كل إجراء طبي. 
يقول مقداد إن الطبيب قد يجد مادة الحشو، لكنه يفتقد مادة التجفيف، وهي عنصر أساسي لنجاح العملية. في هذه الحالة، يخرج المريض من العيادة وقد تم حشو سنه، لكن الألم لا يختفي، بل يستمر لثلاثة أو أربعة أيام، حتى يستقر الوضع جزئيًا، نتيجة غياب المواد المكملة التي كانت ستخفف المعاناة وتضمن جودة العلاج.
المشكلة تمتد إلى ما هو أبعد من العيادات، لتصل إلى معامل التصنيع.
وعن ذلك يقول أيمن الشبراوي، وهو صاحب معمل لإنتاج المواد المستخدمة في طب الأسنان، "إن ما تبقى لديه من مواد لن يكفي لأكثر من شهر واحد فقط. بعد ذلك، لن يكون هناك ما يُستخدم أصلًا."
يضيف أن معمله تعرّض للتدمير خلال الحرب، وفقد معظم أجهزته، ما اضطره إلى توزيع ما تبقى منها بشكل طارئ على نقاط علاج الأسنان داخل مخيمات النزوح، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
في تلك المخيمات، حيث يعيش آلاف النازحين، تحولت العيادات إلى نقاط إسعاف أولي، تُقدَّم فيها حلول مؤقتة أكثر من كونها علاجًا فعليًا. 
كل شيء هناك يعمل بحدّه الأدنى: أدوات ناقصة، مواد غير مكتملة، وأطباء يحاولون سدّ الفجوات بما يتوفر لديهم من بدائل.
في هذا السياق، أطلق أطباء الأسنان في غزة مناشدة عاجلة عبر نقابتهم، دعوا فيها إلى تدخل فوري لإدخال الأدوات والمعدات اللازمة، محذرين من تفاقم الأزمة إلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه. 
وأكدوا أن استمرار الوضع الحالي يعني حرمان آلاف المرضى، خصوصًا من النازحين والمشرّدين، من أبسط حقوقهم في العلاج، وتحويل آلام يمكن علاجها بسهولة في أي مكان آخر إلى معاناة مفتوحة.
وفي سياقٍ أوسع، لا تبدو معاناة مرضى الأسنان في قطاع غزة منفصلة عن الانهيار العام في المنظومة الصحية، إذ تشير بيانات صادرة عن جهات صحية وحقوقية إلى نفاد نحو 46% من الأدوية الأساسية بشكل كامل، إلى جانب فقدان ما يقارب 66% من المستهلكات الطبية، وهي مواد تدخل مباشرة في إجراءات طب الأسنان من حشوات وتعقيم ومخدر. 
وفي ظل هذه الأزمة، لا يعمل أي مستشفى بكامل طاقته، بينما تعمل مرافق أخرى بشكل جزئي محدود، ما يزيد الضغط على العيادات القليلة المتبقية. 
وبين نقص الأدوات وارتفاع التكاليف، يتحول علاج الأسنان من خدمة طبية أساسية إلى عبء يفوق قدرة المرضى، لتبقى آلاف الحالات، خصوصًا بين النازحين والمشرّدين، عالقة بين ألمٍ مستمر وغياب شبه كامل لخيارات العلاج.