بعد فقدان جثمان الأسير "دولة"

شكوك حول مصير رفات الأسرى الشهداء

والد أسير يقبّل رفات ابنه بعد الافراج عنه (أرشيف)
والد أسير يقبّل رفات ابنه بعد الافراج عنه (أرشيف)

غزة - الرسالة نت - صابرين العابد

بعد أن عاشت عائلة الشهيد الأسير في سجون الاحتلال أنيس محمود دولة بين الأمل والرجاء تنتظر استلام جثمان ابنها الذي ارتقى شهيداً في سجن عسقلان سنة 1980 نتيجة إصابته بهزال شديد في جسمه بعد إضرابه عن الطعام، جاء إبلاغ المحكمة (الإسرائيلية) العليا لمركز القدس للمساعدة وحقوق الإنسان باستنفاد الجهات الأمنية سبل البحث عن جثمان الشهيد دولة وعدم العثور عليه، كسهمٍ قاتل سقط على قلوب ذويه، الأمر الذي دفعهم لمطالبة اللجنة الوزارية بمتابعة ملف جثمان ابنهم وغيره من المحتجزين الأسرى.

واعتبر القانون الدولي الإنساني احتجاز جثامين الشهداء جريمة من جرائم الحرب كما حددت ذلك اتفاقية جنيف الأولى، والإعلان العالمي للأمم المتحدة حول الاختفاء القسري والتي نصت على تكريم الموتى حسب تقاليدهم الدينية، وأن احتجاز الجثامين في مقابر غير لائقة يعد إنكاراً لميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

جريمة مركّبة

وكان عميد الأسرى الفلسطينيين نائل البرغوثي قال إن فقدان جثمان الأسير دولة في مدافن الأرقام وتصديق المحكمة العليا (الإسرائيلية) على ذلك "يعد جريمة يشترك فيها القضاء (الإسرائيلي) وأذرعه الأمنية".

واستهجن ما تقوم به (إسرائيل) بمحاسبة الفلسطينيين باعتقالهم أحياء، والاقتصاص من أسراهم وهم داخل السجن بالقهر والحرمان، ثم تطاولها للمسّ بكرامة أجسادهم بعد الشهادة.

سالم خلّة -منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء- في حديثه لـ"الرسالة" ذكر أن الأسير دولة بعد استشهاده في سجن عسقلان سنة 1980 تم نقل جثمانه لمعهد أبو كبير في القدس لتشريحها هناك بعدها فقد، مؤكداً كلامه بالوثائق التي يحتفظ بها الصليب الأحمر.

واعتبر إخفاء المحاكم (الإسرائيلية) خبر مصير جثة الشهيد دولة "جريمة مركّبة" بحقه من قبل سلطات الاحتلال بالإضافة إلى 446 شهيداً ومفقوداً غيره.

وبيّن خلّة ما يقومون به من جهود قانونية وسياسية تجاه قضية شهداء الأرقام والمفقودين -تحت مسمى حملة (لنا أسماء ولنا وطن)- بتعريبهم هذه القضية وفتح علاقة مباشرة مع جامعة الدول العربية و(مصر والأردن ومغرب وتونس)، بالإضافة لتمكنهم من استعادة جثمان 91 شهيد أسير في العام الماضي وتحرير 93 جثة قبلها منهم مارون العاروني في أكتوبر 2010، وحافظ أبو زنط في نوفمبر 2011.

وذكر أن جهود حثيثة قائمة عبر مجلس حقوق الإنسان واتحادات نقابية وأوروبية من خلال نشاطات دبلوماسية سياسية لتشكيل مناخٍ يضغط على ضرورة وضع الاحتلال (الإسرائيلي) أمام المحاكم الدولية لما يقترفه من جرائم بشعة بحق المعتقلين وجثامينهم في سجون الاحتلال.

ولا زال هناك مئات الجثامين لشهداء وشهيدات محتجزة في مقابر غير معدّة من ناحية إنسانية وأخلاقية ودينية تقع في مناطق عسكرية مغلقة يمنع زيارتها أو الاقتراب منها أو حتى تصويرها، مزدحمة بالأضرحة، وأمام كل واحد منها لوحة معدنية تحمل رقم خاص تحتفظ الجهة الأمنية بملفه؛ هذا السبب الذي جعل هذه المقابر تسمى بـ"مقابر الأرقام".

ولفت خلّة إلى أنه في بعض الأحيان تصدر أحكاماً بالسجن على بعض هذه الجثث لسنوات، وبعضها الآخر قد يستخدم كورقة سياسية للمساومة والابتزاز، "هذا كله يأتي في إطار إخفاء آثار جرائم الاحتلال البشعة المتمثلة في طريقة قتله للإنسان بدون وجه حق والتمثيل والتنكيل بجثته بشكل وحشي" وفق قوله.

مشاهد (إسرائيلية) تثبت

وحول تأكيد صدق الخبر بأن الجانب (الإسرائيلي) يسرق أعضاء الشهداء ويتاجر فيها، أثبت خلّة بأدلة وبراهين لإيهودا هيرس -رئيس معهد الطب الشرعي (الإسرائيلي)- تصريحه للتلفزيون (الإسرائيلي) أنه أشرف على سرقة أعضاء من جثامين شهداء لزرعها في أجساد جنود جرحى، بالإضافة إلى إعلان الصحافة الأميريكية عن كشف شبكة للمتاجرة بأعضاء الأسرى الشهداء في الولايات والمتحدة و(إسرائيل).

وأضاف على ذلك ما صرّح به مؤخراً يوشاي هيموفن -رئيس لجنة مناهضة التعذيب (الإسرائيلي)- أن هناك سجون (إسرائيلية) بها أسرى فلسطينيين لا أحد يعلم مصيرهم".

وختم قوله قائلاً: "على (إسرائيل) إثبات عكس ذلك بإرجاع جثمان الأسير دولة والمئات غيره (...) وفي حال عدم إعادة جثمانه سيظل الاتهام ضدها"، فـ"لا دخان بدون نار".

من جهته، قال قدورة فارس -رئيس نادي الأسير الفلسطيني-: "هناك إمكانية أن يكون الاحتلال باع أعضاء الشهيد"، مؤكدًا أن هذا مؤشر جديد على انحطاط أخلاقي وقيمي لدولة الاحتلال واستخفاف بالمواثيق والقوانين والاتفاقيات الموقع عليها.

يذكر أن (إسرائيل) هي الوحيدة في العالم التي تعاقب الشهداء بعد موتهم وتحرم ذويهم من دفنهم وتتعمد في ذلك إيذاء ذويهم وتعذيبهم كعقاب جماعي، كجزء من سياستها في تعاملها مع الفلسطينيين والعرب، وسياسة احتجاز الجثامين تعتبر جريمة أخلاقية وانسانية ودينية وانتهاك فظ للمادة (17) من اتفاقية جنيف الأولى التي تكفل للموتى تكريمهم ودفنهم حسب تقاليدهم الدينية وأن تُحترم قبورهم. 

وبيّن فارس أن الاحتلال بهذه الجريمة يتحدى كل القيم الإنسانية، معتبراً استمرار العالم على صمته كان له الدور في تشجع دولة الاحتلال عملياً على اللامبالاة "لأنها تعلم سلفا بأنها لن تتعرض لأي مُساءلة" كما قال.

وشدد على أن المواطن الفلسطيني الذي يضحى من أجل الوطن هو أغلى ما نملك ولذلك لن نترك هذا الشهيد وغيره من الشهداء في مقابر الأرقام حتى لو حاول الاحتلال إخفاء جثثهم التي ستبقى خالدة في نفوسنا فهذا لن يزعزع قواهم.

وطالب فارس أن تكون هناك لجنة دولية للتحقيق في سلسلة الجرائم التي ارتكبت بحق الأسرى، مؤكداً على ضرورة تحمل مؤسسات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه الجريمة الصهيونية البشعة، وملاحقة ومحاسبة قادة الكيان الصهيوني الذين ارتبكوا جرائم مبرمجة بحق الحركة الأسيرة والتي كان أخرها الشهيد عرفات جرادات.

وفي السياق، طالب المركز رئاسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر تكثيف مطالبتها لـ(إسرائيل) بضرورة العثور على جثمان الأسير دولة وغيره الكثير، داعياً القيادة الفلسطينية إلى إطلاع الجهات العربية والدولية على هذا الملف الذي يفضح السياسة العنصرية (الإسرائيلية)، وممارسة ضغوطها على الاحتلال (الإسرائيلي) كيْ تتحمل مسؤولياتها بالعثور على جثمان الشهيد أنيس دوله وإعادته إلى عائلته فوراً.