قال الكاتب والمحلل السياسي والأمين العام السابق لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، عوض عبد الفتاح، إن نتائج الانتخابات (الإسرائيلية) أظهرت قدرة الفلسطينيين في الداخل على التأثير في المشهد السياسي، وأربكت حسابات الحزب الحاكم والمعارضة على حد سواء، لكنها لا تعني بالضرورة إيمانهم بالنظام السياسي (الإسرائيلي) أو بديمقراطيته، بقدر ما تعكس رغبتهم في الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم، ومواجهة السياسات العدائية المتصاعدة بحقهم.
وأوضح عبد الفتاح أن ارتفاع نسبة التصويت العربي ارتبط، إلى حد كبير، بالشعور بخطورة المرحلة السياسية، في ظل تصاعد الخطاب العنصري والعدائي تجاه العرب والفلسطينيين، وما تنطوي عليه سياسات الحكومة الحالية من تهديدات لوجودهم وحقوقهم، مشيرًا إلى أن هذه الأجواء دفعت قطاعات واسعة من الجمهور العربي إلى المشاركة في الانتخابات بوصفها وسيلة للدفاع عن الذات ومحاولة التأثير في المشهد السياسي.
وأضاف أن الحرب على الصوت العربي بلغت مستوى غير مسبوق من العدائية والعدوانية، وهو ما أسهم في تحفيز الجمهور على التصويت، لا انطلاقًا من الثقة بالنظام (الإسرائيلي) القائم، وإنما بفعل الإحساس بالخطر والرغبة في التصدي للسياسات التي تستهدفه.
وبيّن أن التصويت العربي أحدث حالة من الإرباك في الساحة السياسية (الإسرائيلية)، وفتح الباب أمام حالة من عدم اليقين بشأن شكل الحكومة المقبلة، لافتًا إلى أنه من الصعب في المرحلة الراهنة استشراف الاتجاه الذي ستسلكه التطورات، في ظل تعقيدات المشهد وعدم وضوح مواقف الأطراف المختلفة.
تباين في المواقف
وفيما يتعلق بمواقف الأحزاب العربية من المشاركة في الحكومة الإسرائيلية المقبلة، أوضح عبد الفتاح أن هناك تباينًا واضحًا في المقاربات السياسية، إذ حسمت الحركة الإسلامية الجنوبية، بقيادة منصور عباس، خيارها باتجاه الاندماج في النظام السياسي الإسرائيلي منذ وقت طويل، انطلاقًا من توجه يركز على القضايا المطلبية والخدمية، مثل الحصول على الميزانيات ومكافحة الجريمة وهدم المنازل في المجتمع العربي، دون إعطاء القضية الفلسطينية والقضايا الوطنية الاهتمام ذاته، وهو توجه يثير جدلًا واسعًا داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.
وأضاف أن موقف الحركة العربية للتغيير، بقيادة أحمد الطيبي، لا يزال أقل وضوحًا من حيث برامجها وتوجهاتها بشأن التعامل مع الحكومة المقبلة، في حين يتبنى التجمع الوطني الديمقراطي موقفًا واضحًا برفض الانضمام إلى أي حكومة (إسرائيلية).
وأشار إلى أن هذا التباين يعكس اختلافًا في الرؤى بشأن حدود المشاركة السياسية وجدواها، وما إذا كان الانخراط في الحكومة يمكن أن يحقق مكاسب خدمية ومعيشية للمجتمع العربي، أم أنه قد يفضي إلى تنازلات سياسية وأخلاقية تمس الموقف الوطني والحقوق الجماعية للفلسطينيين.
المعارضة ليست بديلًا
وحذّر عبد الفتاح من التعويل على المعارضة (الإسرائيلية) باعتبارها بديلًا أفضل بالضرورة للحكومة الحالية، موضحًا أن المعارضة تضم تيارات متعددة، بعضها يتبنى توجهات ليبرالية وتقدمية، لكن داخلها أيضًا قوى أكثر تشددًا وعدائية تجاه الفلسطينيين، وقد لا تقل خطورة عن مكونات الحكومة الحالية.
ولفت إلى أن الخلاف بين الحكومة والمعارضة لا يعني بالضرورة وجود اختلاف جوهري في الموقف من الفلسطينيين وحقوقهم، كما أن أحزاب المعارضة تواجه بدورها حرجًا في مسألة الاعتماد على أصوات أعضاء الكنيست العرب، خشية الظهور أمام المجتمع (الإسرائيلي) بمظهر من يستند إلى دعمهم لتشكيل الحكومة.
وكشف أن أطرافًا في المعارضة تجري اتصالات مع أوساط في القائمة المشتركة وبعض الأحزاب العربية، لبحث إمكانية التوصل إلى تفاهمات بشأن دعم الحكومة المقبلة، لكنها، وفق تقديره، لا تزال تطلب من الأحزاب العربية تقديم مزيد من التنازلات باتجاه المواقف الإسرائيلية، بما يتيح لها قيادة الحكومة دون أن تظهر بمظهر المعتمد على الصوت العربي.
وقال عبد الفتاح إن هذه المعادلة تكشف أن المعارضة الإسرائيلية بحاجة إلى الأصوات العربية، لكنها تحاول الحصول عليها وفق شروطها، مضيفًا أن طبيعة المواقف التي ستتخذها القيادات العربية ستظل مرتبطة أيضًا بموقف الطرف المقابل والشروط التي سيطرحها، وما إذا كانت الأحزاب العربية ستقبل بها أو ترفضها، وهو ما يجعل الجدل بشأن المشاركة مستمرًا ومفتوحًا.
السيناريوهات المقبلة
وعن السيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة، أشار عبد الفتاح إلى احتمال تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم أعضاء كنيست عرب، أو الاتجاه نحو حكومة وحدة وطنية تجمع قوى من المعسكرين، خصوصًا إذا دفعت التطورات الإقليمية واحتمالات اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، ولا سيما في سياق التوتر مع إيران، الأطراف الإسرائيلية إلى تجاوز خلافاتها الداخلية.
وأكد أن طبيعة المرحلة المقبلة لا تزال غير واضحة، وأنه من الصعب التكهن بالمسار الذي ستتخذه المفاوضات أو بالصيغة التي ستستقر عليها الحكومة، في ظل ارتباط ذلك بحسابات الأحزاب الإسرائيلية ومواقف القيادات العربية والشروط المتبادلة بين الطرفين.
استعادة الثقة
وشدد عبد الفتاح على أن الأهم في المرحلة الراهنة يتمثل في أن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر استعادوا ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على الفعل السياسي والتأثير الجماعي، معتبرًا أن هذه النتيجة تشكل مكسبًا مهمًا، حتى وإن لم تتضح بعد الكيفية التي ستُترجم بها هذه القوة إلى فعل سياسي منظم.
ورأى أنه لا ينبغي للفلسطينيين في الداخل، بأي شكل من الأشكال، أن يكونوا جزءًا من حكومة المعارضة (الإسرائيلية)، داعيًا إلى توجيه الجهود نحو تعزيز التنظيم الذاتي للمجتمع الفلسطيني على المستويات الاجتماعية والسياسية والمهنية، بدلًا من حصر أهمية التصويت العربي في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة أو الحصول على مواقع فيها.
وأضاف أن قطاعًا واسعًا من الجمهور العربي صوّت بهدف تعزيز قوته الداخلية والحفاظ على وحدة صوته، وليس بالضرورة من أجل إهدار هذه الأصوات في دعم أي حكومة (إسرائيلية)، مشددًا على ضرورة ترجمة حالة الوحدة الشاملة التي تحققت خلال الانتخابات إلى مشروع جماعي مستدام.
وحذّر من أن عدم استثمار هذه اللحظة في بناء قوة سياسية واجتماعية منظمة سيؤدي إلى تراجع آثارها، وربما تبدد حالة الثقة والوحدة التي تشكلت خلال الانتخابات.
وختم عبد الفتاح بالتأكيد أن قيمة التصويت العربي لا ينبغي أن تُقاس فقط بمدى قدرته على التأثير في تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وإنما بما أتاحه من استعادة الثقة بالقدرة الجماعية على الفعل السياسي، وما يمكن أن يؤسسه من حالة تنظيم ووحدة تضمن استمرار الحضور الفلسطيني وتأثيره في المشهد السياسي.