تواجه مدينة الخليل ومحافظتها واحدة من أشد موجات الضغط العسكري والاقتصادي، مع استمرار الاقتحامات الإسرائيلية وإغلاق مداخل المدينة وفرض قيود على حركة السكان والبضائع، بالتزامن مع حملة عسكرية بدأت الجمعة الماضية وأدت إلى تهجير آلاف الفلسطينيين من منازلهم وتعطيل جوانب واسعة من الحياة اليومية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على الأحياء التي تشهد الاقتحامات، إذ تمتد إلى المنشآت الصناعية والأسواق التجارية وقطاع النقل والعمال، في محافظة تعد من أهم المراكز الإنتاجية في فلسطين وتشكل صناعاتها وتجارها ومصانعها حلقة أساسية في توفير فرص العمل وتغذية الأسواق المحلية.
وأفادت تقارير صحفية، بأن الإجراءات العسكرية شملت إغلاق مداخل الخليل ومخارجها وفرض قيود مشددة على الحركة إلى جانب عمليات تفتيش واعتقالات وإخلاء منازل. وأعلنت بلدية الخليل أن نحو 2200 فلسطيني أُجبروا على مغادرة منازلهم فيما استمرت العملية العسكرية والإغلاقات في اليوم التالي.
وتعني هذه الإجراءات، من الناحية الاقتصادية، تعطيل قدرة العامل على الوصول إلى مكان عمله والتاجر على فتح متجره والمصنع على إيصال منتجاته إلى الأسواق. كما أن إغلاق الطرق الرئيسية والفرعية يطيل زمن النقل ويرفع تكاليفه ويضعف انتظام توريد المواد الخام والسلع، وهي عوامل تزيد الأعباء على المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على دوران رأس المال بصورة يومية.
ثقل صناعي وتجاري
وتستمد الخليل أهميتها الاقتصادية من تنوع أنشطتها الإنتاجية والتجارية، إذ تضم صناعات الحجر والرخام والبلاستيك والأغذية والألبان والأثاث، إلى جانب الصناعات المعدنية والمجوهرات والتجارة والزراعة وتربية الثروة الحيوانية.
بدوره، قال مدير مكتب وزارة الاقتصاد الوطني في الخليل إن المحافظة تضم نحو 24 ألف وحدة تجارية و3500 منشأة صناعية، كما تضم نحو 85 مشغلا للذهب والمجوهرات، تنتج أكثر من 70% من الذهب المتداول في السوق الفلسطينية.
ولا تتوقف أهمية هذه المنشآت عند حدود المحافظة، فمنتجاتها تصل إلى أسواق فلسطينية أخرى، كما ترتبط بقطاعات النقل والتوزيع والتسويق والعمالة. ولذلك فإن تعطيل الإنتاج في الخليل لا يعني خسارة مبيعات محلية فحسب وإنما قد ينعكس على توافر المنتجات وتكاليفها في مناطق أخرى ويؤثر في دخل العاملين وأصحاب المنشآت والموردين.
وتأتي التطورات في الخليل ضمن أزمة أوسع يواجهها الاقتصاد الفلسطيني، نتيجة الحرب على قطاع غزة والقيود المفروضة على الحركة والتجارة والعمل في الضفة الغربية.
ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني خلال عام 2025 بنسبة 24% مقارنة بعام 2023، رغم تسجيل زيادة محدودة بنسبة 4% مقارنة بعام 2024. كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بنسبة 13% خلال الفترة نفسها، في مؤشر على استمرار الضغوط الاقتصادية رغم التحسن النسبي المسجل على أساس سنوي.
وتظهر بيانات الجهاز أيضا أن الإنتاج المحلي لمنشآت القطاع الخاص في الضفة الغربية انخفض بنسبة 12.1% خلال عام 2024، مقارنة بعام 2023، فيما تراجع عدد العاملين في المنشآت الاقتصادية الخاصة وغير الحكومية في الضفة بنحو 11%، ليبلغ قرابة 290 ألف عامل.
وتكشف هذه المؤشرات أن الأزمة لم تقتصر على تراجع الطلب وإنما امتدت إلى الإنتاج والتشغيل وقدرة الشركات على الاستمرار.
كما وتزيد الإغلاقات المفروضة على الخليل من المخاطر التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني، لأن المحافظة تضم قاعدة واسعة من المنشآت الصناعية والتجارية. كما أن استمرار القيود على العمالة الفلسطينية في الوصول إلى أماكن العمل داخل إسرائيل بالتزامن مع تعطيل النشاط الاقتصادي محليا يحرم الأسر من مصادر دخلها ويقلص الإنفاق الاستهلاكي في الأسواق.
ضربة للاقتصاد الفلسطيني
بدوره، قال المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن أهمية اقتصاد الخليل تنبع من كونه أحد المراكز الرئيسية للإنتاج والصناعة والتجارة في فلسطين، مشيرا إلى أن المحافظة لا تقتصر على تلبية احتياجات أسواقها المحلية وإنما تسهم منشآتها في توفير السلع والمنتجات لمناطق فلسطينية أخرى.
وأضاف أبو قمر: "أي تعطيل واسع للنشاط الاقتصادي فيها ينعكس على العمال والموردين والتجار والمستهلكين، ويتجاوز أثره حدود المدينة".
وأوضح أن الحملات العسكرية والإغلاقات المتكررة تفرض كلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة على المنشآت، تبدأ بتعطيل وصول العمال والزبائن وتمتد إلى تأخير نقل البضائع وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع المبيعات.
ولفت إلى أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر عرضة للضرر، بسبب محدودية السيولة لديها وعدم قدرتها على تحمل فترات طويلة من توقف النشاط، خصوصا في ظل تراجع القدرة الشرائية وتراكم الالتزامات المالية.
وأكد أبو قمر أن استمرار هذه الإجراءات يهدد استقرار سوق العمل ويضعف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على التعافي، لأن الخليل تمثل جزءا مهما من قاعدته الإنتاجية.
وشدد على أن استعادة النشاط الاقتصادي تحتاج إلى ضمان حرية الحركة التجارية وانتظام وصول العمال والبضائع وتقليل القيود التي تعرقل الإنتاج والتوزيع، بما يحمي مصادر الدخل ويحد من انتقال آثار الأزمة إلى بقية الاقتصاد الفلسطيني.