لا تقف الحواجز الإسرائيلية في الضفة الغربية عند حدود تقييد حركة الفلسطينيين، بل تحوّل الطرق التي تصل المدن والقرى بعضها ببعض إلى مسارات مرهونة بقرار عسكري، يمكن فتحها أو إغلاقها في أي لحظة. وفي محافظة الخليل، تتخذ هذه السياسة بُعدًا أكثر قسوة، مع وجود 221 حاجزًا وعائقًا إسرائيليًا يقطع أوصال المحافظة الأكبر مساحة وسكانًا، ويجعل تنقل الفلسطينيين بين مناطقها رحلة محفوفة بالتأخير والإغلاق والتنكيل.
وأعاد حاجز فرش الهوى، عند المدخل الشمالي الغربي لمدينة الخليل، تسليط الضوء على هذه المنظومة، بعد عملية إطلاق نار أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، لتتبعها إجراءات إسرائيلية شملت إغلاق مداخل المدينة، وفق الباحث في شؤون الاستيطان عيسى عمرو.
وبحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، بلغ عدد الحواجز والعوائق الإسرائيلية في الضفة الغربية 942 حاجزًا وعائقًا حتى 25 سبتمبر/أيلول 2026، من بينها 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة. وتتركز هذه العوائق عند مداخل المدن والبلدات والقرى وعلى الطرق الرابطة بينها، بما يقيّد حركة السكان ويحد من قدرتهم على الوصول إلى وجهاتهم اليومية.
شبكة إغلاق تقطّع أوصال الضفة
تتخذ الحواجز الإسرائيلية أشكالًا متعددة، تشمل الحواجز العسكرية المأهولة بالجنود، والبوابات الحديدية التي يبقى معظمها مغلقًا أو يُفتح لساعات محدودة، إلى جانب السواتر والعوائق الإسمنتية والإغلاقات والخنادق الترابية.
ولا يقتصر أثر هذه المنظومة على إبطاء حركة المركبات أو منع المرور من طريق بعينه؛ إذ تؤدي، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى تحويل التواصل الجغرافي الفلسطيني إلى شبكة من المسارات الخاضعة للتحكم، وإعادة تقسيم الضفة الغربية عمليًا إلى كانتونات وجيوب معزولة يمكن وصلها أو فصلها وإغلاقها في أي وقت.
وينعكس ذلك على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، من الوصول إلى أماكن العمل والجامعات والمستشفيات، إلى بلوغ الأراضي الزراعية ومراكز الخدمات. كما يرفع كلفة التنقل ويضيّق فرص الاستقرار، في ظل اضطرار السكان إلى تغيير مساراتهم وانتظار فتح الحواجز أو البحث عن طرق بديلة.
وتحظى محافظة الخليل بالنصيب الأكبر من هذه العوائق، إذ تقطع الحواجز الـ221 أوصالها، وتؤثر في حركة السكان والتجارة والاتصال بين المدينة وقراها، فضلًا عن تنقلهم إلى بقية محافظات الضفة الغربية.
من 757 حاجزًا إلى 942 عائقًا
وتُظهر البيانات التي تنقلها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» تصاعدًا في أعداد الحواجز والعوائق الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، مع تغير أشكالها ووسائل استخدامها.
ففي عام 2003، خلال ذروة الانتفاضة الثانية، بلغ عدد الحواجز والعوائق 757، كان من بينها 464 عائقًا ترابيًا. وتراجع العدد إلى 630 عام 2008، قبل أن يرتفع إلى 705 عوائق عام 2018، وهي مرحلة شهدت حضورًا أكبر للبوابات والحواجز ذات البنية الثابتة.
وفي مارس/آذار 2024، وصل العدد إلى 793 عائقًا، ثم ارتفع إلى 925 حاجزًا وعائقًا وفق بيانات ديسمبر/كانون الأول 2025، وصولًا إلى 942 حتى 25 سبتمبر/أيلول 2026.
ولا تقتصر إقامة هذه الحواجز على الجيش الإسرائيلي وحده؛ إذ برز في الفترة الأخيرة دور مستوطنين في إقامة عوائق ترابية باستخدام الجرافات، ووضع بوابات حديدية في مناطق بالضفة الغربية، من بينها بلدتا أم صفا وكفر نعمة قرب رام الله، بهدف منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وفق المعطيات الواردة.
فرش الهوى.. مدخل حيوي تحت السيطرة
ويقول الباحث في شؤون الاستيطان عيسى عمرو، في حديث للجزيرة، إن الموقع الذي شهد عملية إطلاق النار في الخليل ليس حاجزًا مؤقتًا كما ادعى الاحتلال، بل يشهد وجودًا عسكريًا إسرائيليًا مستمرًا، مشيرًا إلى تعرض الفلسطينيين للتنكيل والتضييق خلال مرورهم عبر حواجز المحافظة.
ويوضح عمرو أن حاجز فرش الهوى يُغلق بصورة متكررة، وتفتش قوات الاحتلال المواطنين وتعيق حركتهم، ما يؤدي إلى تشكّل طوابير طويلة من المركبات. ويضيف أن وجود الجيش على الحاجز متواصل، على غرار عدد كبير من الحواجز المنتشرة في الضفة الغربية.
وتنبع أهمية هذا المدخل من موقعه الحيوي في حركة الفلسطينيين من مدينة الخليل وإليها؛ إذ يستخدمه السكان المتجهون إلى القرى الشمالية، أو المسافرون إلى محافظات وسط الضفة وشمالها، وكذلك المتجهون إلى الأردن. كما يشكّل طريقًا لحركة المركبات التجارية والشاحنات بين الخليل ومناطق شمال المدينة وبقية المحافظات، وصولًا إلى معبر ترقوميا.
وبذلك، لا يقتصر تأثير إغلاق الحاجز على سكان المنطقة المحيطة به، بل يمتد إلى الحركة التجارية وسلاسل نقل البضائع، ويعطّل تنقل المواطنين الذين يعتمدون عليه للوصول إلى أعمالهم ومصالحهم.
ستة مداخل.. وقيود على الحركة
ويشير عمرو إلى أن مدينة الخليل تضم ستة مداخل رئيسية، تخضع لقيود متفاوتة بين الإغلاق الكامل والفتح لساعات محددة.
فمدخل فرش الهوى، الواقع شمال غربي المدينة، يُفتح ويُغلق في أوقات محددة رغم أهميته في حركة السكان والتجارة. أما مدخل رأس الجورة شمالًا، وهو المدخل الرئيسي للمدينة، فيقول عمرو إنه مغلق منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي الشمال الشرقي، يُغلق مدخل بيت عينون بصورة كاملة، فيما يقع مدخل المنطقة الصناعية جنوب شرقي المدينة في منطقة جبل جوهر، وهو مغلق أيضًا. أما مدخل الفحص جنوبًا، فيُفتح ويُغلق وفق ساعات محددة، في حين يبقى المدخل الجنوبي الآخر مغلقًا منذ سنوات طويلة، بحسب عمرو.
ولا تتوقف القيود عند مداخل المدينة؛ إذ يلفت الباحث إلى وجود 32 حاجزًا في محيط المسجد الإبراهيمي بالبلدة القديمة، معظمها مغلق بصورة كاملة. ويضيف أن جميع الحواجز على مداخل المدينة أُغلقت عقب عملية إطلاق النار.
وتعني هذه الإغلاقات، وفق المعطيات التي عرضها عمرو، أن حركة الفلسطينيين داخل المدينة وخارجها باتت مرتبطة بمنافذ محدودة تخضع للسيطرة الإسرائيلية، بما يضاعف صعوبة التنقل ويزيد الضغط على المداخل المتاحة.
الحواجز تتجاوز الطريق إلى تفاصيل الحياة
ويؤكد عمرو أن آثار الحواجز لا تقتصر على الفصل المكاني بين المدن والقرى، بل تمتد إلى الوصول إلى المستشفيات والجامعات وأماكن العمل، مشيرًا إلى أن القيود المفروضة على الحركة تجعل تنقل المواطنين أكثر صعوبة وتعقيدًا.
كما يتحدث عن مخاوف يعيشها الفلسطينيون عند مغادرة مدنهم، في ظل اعتداءات المستوطنين التي يقول إنها تقع من دون محاسبة، وبمساندة من الجيش الإسرائيلي.
وفي الخليل، حيث تتوزع الحواجز على المداخل والطرق والمناطق الحيوية، تتداخل القيود العسكرية مع احتياجات السكان الأساسية، من العلاج والتعليم إلى العمل والتجارة وزيارة الأقارب. ومع كل إغلاق جديد، تتقلص الخيارات المتاحة أمام المواطنين، وتتحول المسافات القصيرة إلى رحلات طويلة تتوقف على قرار فتح حاجز أو السماح بالمرور.
وهكذا، تكشف أرقام الحواجز في الضفة الغربية عن أكثر من زيادة عددية؛ فهي ترسم واقعًا من العزل المكاني والتحكم في الحركة، تتجلى آثاره بوضوح في الخليل، حيث لا يحتاج الفلسطيني إلى قطع مسافة طويلة ليواجه حاجزًا، بل قد يصبح الوصول إلى وجهته داخل مدينته نفسها مرهونًا ببوابة مغلقة أو طريق خاضع للتفتيش والانتظار.