تحلّ اليوم الأحد، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الذكرى الثالثة لمجزرة «مربع التاج» في مدينة غزة، التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في مثل هذا اليوم من عام 2023، وراح ضحيتها نحو 450 شهيدًا وفق تقديرات ذوي الضحايا، في واحدة من أكثر المجازر دموية خلال السنوات الثلاث من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وتأتي الذكرى الثالثة للمجزرة بعد تمكن طواقم الدفاع المدني، مطلع أكتوبر الجاري، من انتشال جثامين 105 شهداء ظلوا تحت أنقاض منازلهم المدمرة طوال ثلاثة أعوام، قبل تشييعهم في جنازة جماعية إلى مقبرة الشيخ رضوان بمدينة غزة.
وفي تفاصيل المجزرة، شنّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي حزامًا ناريًا عنيفًا استهدف مربع التاج السكني في منطقة اليرموك بمدينة غزة، مستخدمة أكثر من 20 قنبلة وصاروخًا ثقيلًا، ما أدى إلى تدمير نحو 18 عمارة سكنية، وفق التقديرات المتداولة، ضمن منطقة تضم قرابة 137 وحدة سكنية، انهارت فوق رؤوس قاطنيها خلال لحظات.

الشهيدة الصحفية دعاء شرف ونجلها عبيدة
وجاءت المجزرة في الأسابيع الأولى من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بالتزامن مع مطالبات الاحتلال سكان شمال القطاع بالنزوح قسرًا إلى جنوبه، وشكّلت نموذجًا مبكرًا للأحزمة النارية التي استخدمها الاحتلال في تدمير المربعات السكنية المكتظة بالسكان.
ومن بين ضحايا المجزرة، الصحفية الشهيدة دعاء شرف وطفلها الرضيع عبيدة، الذي لم يتجاوز عمره عامًا وشهرين، بعدما انهار المنزل الذي كانا بداخله فوق رؤوسهما، لتبقى حكايتهما واحدة من أكثر القصص الإنسانية إيلامًا في هذه المذبحة.
وبعد ثلاثة أعوام من الانتظار، تمكنت طواقم الدفاع المدني من الوصول إلى رفات الأم وطفلها، حيث عُثر على عبيدة داخل سريره الصغير، وإلى جانبه رضّاعته وما تبقى من ملابسه ومقتنياته، في مشهد أعاد تفاصيل الجريمة إلى ذاكرة عائلته، التي انتظرت طويلًا لتتمكن من مواراتهما الثرى.
ويقول الصحفي محمود هنية، زوج الشهيدة دعاء شرف ووالد الطفل عبيدة، إن ثلاثة أعوام مضت على المجزرة، لكن تفاصيلها لا تزال حاضرة في ذاكرته كما لو أنها وقعت بالأمس، مؤكدًا أن الجرح لم يندمل رغم مرور السنوات.
وأضاف هنية أن عائلات الضحايا عاشت أطول بيت عزاء، بعدما بقي أبناؤها تحت الأنقاض طوال ثلاثة أعوام، دون أن تتمكن من دفنهم أو زيارة قبورهم، مشيرًا إلى أن الركام تحول إلى مقبرة كبيرة تضم رفات عشرات العائلات التي أبادها القصف الإسرائيلي.
وأوضح أن انتشال جثامين الشهداء مؤخرًا أعاد فتح جراح العائلات، لكنه منحها أخيرًا فرصة لوداع أبنائها ودفنهم، بعد سنوات من الانتظار أمام أنقاض المنازل التي تحولت إلى مقابر جماعية.
وأشار هنية إلى أن المجزرة كشفت حجم الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين، موضحًا أن الأطفال والنساء وكبار السن شكّلوا نحو 85% من ضحايا المذبحة، التي استهدفت عائلات بأكملها داخل منازلها، دون أن تترك لها فرصة للنجاة.
وفي السياق، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، في تصريحات أدلى بها خلال مراسم تشييع الشهداء مطلع أكتوبر الجاري، إن انتشال جثامين 105 شهداء من مربع التاج جاء بعد جهود شاقة وطويلة بذلتها طواقم الدفاع المدني ، في ظل حجم الدمار الهائل الذي خلّفه القصف.
وأوضح بصل لـ"سند" أن من بين الجثامين التي جرى انتشالها 38 طفلًا و31 من كبار السن ونحو 20 امرأة، في مؤشر على حجم الخسائر البشرية التي أوقعتها المجزرة في صفوف المدنيين.
وحذّر من استمرار وجود آلاف جثامين الشهداء تحت أنقاض المنازل والمباني المدمرة في مختلف مناطق قطاع غزة، مؤكدًا أن نقص المعدات والآليات الثقيلة والوقود يعرقل جهود البحث والانتشال، ويضاعف معاناة العائلات التي لا تزال تنتظر استعادة رفات أبنائها.
ودعا بصل المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في حماية المدنيين الفلسطينيين، وتوفير الإمكانات اللازمة لاستكمال عمليات انتشال الجثامين، وضمان حق العائلات في دفن ضحاياها بكرامة.
وتبقى مجزرة التاج واحدة من مئات المجازر التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي خلال ثلاثة أعوام من حرب الإبادة على قطاع غزة، وشاهدًا على حجم الدمار الذي لحق بالأحياء السكنية والعائلات الفلسطينية، فيما لا تزال آلاف الأسر تعيش المأساة ذاتها، بانتظار انتشال أحبائها من تحت الركام.