يعيد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، طرح روايته بشأن أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، محملًا مسؤولية الإخفاق الأمني في ذلك اليوم لقيادات أمنية وعسكرية، إلى جانب وزراء في حكوماته الحالية والسابقة.
وخلال مقابلة مع صحيفة "ماكور ريشون" اليمينية، قال نتنياهو إن رئيس جهاز الشاباك ورئيس الجيش الإسرائيلي كانا قد تلقيا إنذارات خلال الليلة التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، لكنهما "لم يفعلا شيئًا ولم يطلعاني عليها"، مشيرًا إلى أنه أُبلغ بالهجوم عند الساعة 6:29 صباحًا.
وأضاف أنه تحدث عند الساعة الثامنة صباحًا مع وزير الأمن حينها، يوآف غالانت، وقال إن الأخير "لم تكن لديه صورة للوضع"، قبل أن يجتمع غالانت ورئيس الأركان في مقر وزارة الأمن بتل أبيب، حيث قال نتنياهو إنه أعلن أن إسرائيل "في حرب" ودعا إلى استدعاء قوات الاحتياط والرد على الهجوم.
ورفض نتنياهو تحميل حكومته مسؤولية سياسات سمحت لحماس بتعزيز قدراتها، وقال إن المساعدات المالية القطرية التي صادق عليها عام 2018 كانت تمثل، بحسب روايته، نسبة محدودة من الأموال التي دخلت إلى قطاع غزة، وخصصت لاحتياجات إنسانية وصحية، نافياً أن تكون قد ساعدت حماس في بناء قدراتها العسكرية.
وقال إن إدخال تلك الأموال توقف عام 2021، قبل أن يعاد إدخالها في عهد رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت، منافسه في الانتخابات الحالية.
نتنياهو ينفي سياسة "التهدئة"
كما نفى نتنياهو إبرام صفقات مع حماس بهدف منع التصعيد أو فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، معتبرًا أن خصومه السياسيين ووسائل إعلام إسرائيلية "يشوهون التاريخ".
وقال إنه كان يرى أن حماس لا يمكن التوصل معها إلى تسويات، مضيفًا أنه دعا في مراحل سابقة إلى استهداف قادتها، خلافًا لما يروّج له خصومه بشأن سياسته تجاه الحركة.
وتطرق نتنياهو إلى مواقف المسؤولين الإسرائيليين من فكرة احتلال قطاع غزة خلال الحروب السابقة، وقال إن غالبية من ناقشوا الأمر في حينه لم يؤيدوا احتلال القطاع، مستشهدًا بما جرى خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014.
وادعى أن مواقف مماثلة استمرت حتى بعد 7 أكتوبر، وأن عددًا من المسؤولين كانوا يفضلون تطويق القطاع بدلًا من الدخول إليه، لكنه قال إنه اتخذ قرارًا مختلفًا وقرر شن عملية برية واسعة.
كما هاجم نتنياهو منافسه السياسي غادي آيزنكوت، الذي كان عضوًا في "كابينيت الحرب"، ووجه إليه انتقادات شخصية بشأن مواقفه خلال الحرب.
وتعهد نتنياهو بمواصلة الحرب على قطاع غزة، قائلًا إن هدفه هو القضاء على حماس، ومؤكدًا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ستستمر حتى تحقيق هذا الهدف.
نتنياهو يربط الانتخابات بـ"وجود إسرائيل"
وفي سياق حديثه عن إيران، قدم نتنياهو الحرب الحالية باعتبارها جزءًا من مواجهة أوسع، مدعيًا أنه "أنقذ دولة إسرائيل مرتين"، وأن إسرائيل كانت تواجه خطرًا من البرنامج النووي الإيراني.
وقال إن الانتخابات المقبلة تتعلق، بحسب وصفه، بضمان "وجود دولة اليهود"، محذرًا من احتمال تعرض إسرائيل لخطر وجودي إذا لم تتم مواجهة إيران.
كما قال إن بقاءه في رئاسة الحكومة لخمس سنوات أخرى سيؤدي، بحسب تقديره، إلى عدم بقاء النظام الإيراني.
"عماليق" في خطاب الحرب
ويتقاطع خطاب نتنياهو مع نقاش إسرائيلي أوسع حول استخدام المفردات التوراتية والدينية في توصيف الحرب على غزة، ومن أبرزها مصطلح "عماليق".
وفي حديث لصحيفة "هآرتس"، قالت الباحثة في قسم تاريخ إسرائيل والتوراة بجامعة حيفا، غيلي كوغلر، إن استدعاء مفهوم "عماليق" يرتبط بتاريخ طويل من النصوص الدينية التي تتناول الحرب والانتقام والإبادة والهوية.
وأوضحت كوغلر أن النصوص التوراتية تتضمن روايات عن إبادة مطلقة، معتبرة أن توظيف هذه النصوص في الخطاب السياسي والعسكري يثير أسئلة حول العلاقة بين الذاكرة الدينية والعنف والقومية.
وقالت إن الانتقال من الحديث عن الانتقام إلى استدعاء "عماليق" يوسع مفهوم العدو من طرف مرتبط بحدث محدد إلى عدو يُقدَّم بوصفه تجسيدًا تاريخيًا ومستمرًا للشر.
وبحسب كوغلر، فإن استخدام شخصية سياسية لمصطلح "عماليق" خلال الحرب لا ينبغي اعتباره مجرد تعبير بلاغي، لأنه يستدعي تراثًا دينيًا يتضمن نصوصًا تتحدث عن إبادة شعب، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن ذكر المصطلح وحده لا يمثل دليلًا قضائيًا على نية الإبادة.
البعد الديني في حرب غزة
وترى كوغلر أن حرب غزة شهدت حضورًا متزايدًا للخطاب الديني والأسطوري في الخطاب الإسرائيلي الرسمي، مشيرة إلى أن حروب إسرائيل السابقة لم تشهد، بحسب رأيها، المستوى ذاته من الاستدعاء اللاهوتي.
وقالت إن الحرب تحولت، في بعض الخطابات، من مواجهة مرتبطة بأحداث 7 أكتوبر إلى تصور لصراع تاريخي ممتد، معتبرة أن استدعاء "عماليق" يؤدي دورًا في هذا التحول.
كما تناولت الباحثة التوتر بين مفهومي الحداد والانتقام، قائلة إن المجتمعات التي تواجه صدمة جماعية قد تكون أمام خيار بين الحداد على الضحايا وبين تحويل الألم إلى رغبة في الانتقام.
وأضافت أن استهداف المدنيين في غزة، وفق توصيفها، يمثل نموذجًا لانتقام يتوسع من المسؤول عن الفعل إلى عائلته ومجتمعه.
وأشارت إلى أن الأطفال، في منطق الانتقام الجماعي الذي تنتقده، قد يُنظر إليهم بوصفهم امتدادًا مستقبليًا للعدو، وهو ما يحول استهدافهم من عقاب على فعل محدد إلى محاولة لمنع استمرار وجود الخصم.
وترى كوغلر أن توظيف المفاهيم التوراتية في الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال الحرب يستحق الدراسة، خصوصًا مع تكرار الإشارات إلى "عماليق" من جانب مسؤولين وشخصيات عامة.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن مقالًا لها حول "عماليق"، نشرته عام 2020، جرى الاستشهاد به في نقاشات دولية حول الحرب، ومن بينها الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
واعتبرت أن استدعاء المفهوم الديني يفتح نقاشًا حول كيفية توظيف النصوص والرموز التوراتية في تفسير الحرب والعنف والهوية القومية، مشيرة إلى أن مفهوم "عماليق" ظل حاضرًا في التقاليد الدينية اليهودية بوصفه رمزًا للعدو الذي ينبغي محو ذكره.