في قرية عاطوف بالأغوار الشمالية، جنوب شرقي طوباس، لم تعد معركة الفلسطينيين تقتصر على حماية الأرض من التوسع الاستيطاني، بل امتدت إلى أبسط مقومات الحياة، من تأمين المياه ورعاية المواشي إلى الوصول إلى الحقول والمراعي. وبين التجريف والاعتداءات والقيود العسكرية، يحاول السكان الحفاظ على مصادر رزقهم والبقاء في أرض ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.
وتقع عاطوف على بعد نحو 15 كيلومترًا جنوب شرقي مدينة طوباس، وتشكل، إلى جانب خربة الرأس الأحمر، أحد التجمعات الزراعية والرعوية المهمة في الأغوار الشمالية. ويعتمد سكانها، الذين يقدّر عددهم بمئات الفلسطينيين، بصورة أساسية على زراعة الحبوب والأعلاف والخضروات الموسمية وتربية الأغنام والأبقار، في منطقة تتميز بخصوبة أراضيها واتساع مراعيها، لكنها تواجه تضييقات متزايدة بفعل الاستيطان والقيود الإسرائيلية.
ويجعل موقع القرية، القريب من مساحات زراعية واسعة والمحاط بمستوطنات وبؤر رعوية ومواقع عسكرية إسرائيلية، حياة السكان أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل الاعتداءات على الأراضي مع القيود المفروضة على الموارد الطبيعية، لتتحول الأنشطة اليومية للمزارعين والرعاة إلى تحدٍ مستمر يهدد استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي.
المراعي تحت ضغط الاستيطان
لم تعد المراعي الطبيعية التي اعتمد عليها المزارعون لعقود متاحة كما كانت في السابق. ويقول الناشط في رصد الاستيطان وأحد سكان المنطقة، فارس فقها، إن مساحات واسعة من المراعي التقليدية أصبحت مغلقة أمام السكان، سواء بفعل الأوامر العسكرية الإسرائيلية أو اعتداءات المستوطنين.
ويضيف أن هذه القيود أجبرت عددًا من المزارعين على شراء الأعلاف بأسعار مرتفعة، بعدما كانوا يعتمدون على المراعي الطبيعية لتوفير الغذاء لمواشيهم، ما رفع تكاليف الإنتاج وأثقل كاهل الأسر التي تعتمد على تربية الحيوانات مصدرًا رئيسيًا للدخل.
كما أسهم انتشار البؤر الاستيطانية الرعوية في تقليص المساحات المتاحة للرعي، وسط اعتداءات متكررة تستهدف الرعاة ومواشيهم، وتمنعهم من الوصول إلى أراضٍ استخدموها لسنوات طويلة.
ولا تقف تداعيات هذه الاعتداءات عند حدود الخسائر المادية، بل تمتد إلى تهديد نمط الحياة الزراعي والرعوي الذي يشكل أساس وجود السكان في المنطقة، في ظل تراجع قدرتهم على استثمار أراضيهم والاستفادة من مواردها الطبيعية.
المياه.. أزمة تهدد الزراعة والثروة الحيوانية
في عاطوف، لا تمثل المياه مجرد خدمة أساسية، بل عنصرًا حاسمًا في استمرار الزراعة وتربية المواشي. ويعتمد السكان على شبكات محدودة وآبار وخزانات، في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على مصادر المياه في الأغوار الشمالية.
ويقول المزارع وهدان مسلّم إن الحصول على المياه أصبح أكثر صعوبة خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع كميات الضخ وارتفاع تكاليف نقل المياه بواسطة الصهاريج، ولا سيما خلال فصل الصيف، حين تزداد احتياجات الأراضي الزراعية والمواشي.
ويوضح مسلّم أن ارتفاع كلفة المياه ينعكس مباشرة على النشاط الزراعي، إذ يضطر المزارعون إلى تقليص المساحات المزروعة أو خفض أعداد المواشي، بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف الإنتاج المتزايدة.
وفي المقابل، يشير إلى أن المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية تحصل على إمدادات مائية منتظمة تتيح لها مواصلة أنشطتها الزراعية وتوسيعها.
ولم تسلم الآبار الارتوازية من عمليات الهدم؛ إذ هدمت سلطات الاحتلال، قبل أكثر من شهر، ثلاث آبار كانت تغذي نحو 7500 دونم من أراضي سهل البقيعة بالمياه، وفق المعطيات الواردة من المنطقة.
وتتجاوز آثار أزمة المياه حدود عاطوف لتطال مساحات واسعة من سهل البقيعة، الذي تعرض منذ مطلع العام الجاري لخسائر زراعية كبيرة، بالتزامن مع أعمال تجريف مرتبطة بمشروع «الخيط القرمزي»، الهادف، بحسب المعطيات الواردة، إلى شق طريق عسكري وإقامة مقطع جديد من جدار الفصل والتوسع على أراضي المواطنين في محافظة طوباس والأغوار الشمالية.
وأدت أعمال التجريف إلى اقتلاع أشجار وإتلاف محاصيل زراعية في مئات الدونمات، فضلًا عن تدمير خطوط مياه زراعية رئيسية. ووفق المعلومات الواردة، انقطعت المياه عن نحو 30 ألف دونم من أراضي سهل البقيعة، ما ألحق أضرارًا بمحاصيلها، في مساحة تعادل قرابة ثلث مساحة السهل البالغة 96 ألف دونم.
وتضع هذه التطورات المزارعين أمام خسائر متراكمة؛ فتعطل المياه لا يعني تراجع الإنتاج فحسب، بل يهدد أيضًا قدرة الأسر على تغطية تكاليف الزراعة والحفاظ على مواشيها، في وقت تتقلص فيه المراعي وترتفع أسعار الأعلاف والنقل.
بؤر رعوية تتحول إلى مستوطنات دائمة
إلى جانب أزمة المياه، تواجه عاطوف تمددًا استيطانيًا متواصلًا يضيّق الخناق على أراضيها الزراعية والرعوية. ويقول رئيس المجلس القروي، عبد الله بشارات، إن البؤر الرعوية المقامة في محيط القرية تتحول تدريجيًا إلى مستوطنات دائمة، بعد تزويدها بالبنية التحتية والخدمات.
ويوضح بشارات أن المنطقة تشهد اعتداءات متكررة تشمل مطاردة الرعاة والاعتداء على المزارعين وإتلاف المحاصيل ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، مشيرًا إلى أن هذه الاعتداءات تجري، وفق قوله، تحت حماية قوات الاحتلال.
ويرى الأهالي أن تكرار هذه الممارسات يهدف إلى دفع السكان إلى مغادرة أراضيهم، بما يتيح توسيع السيطرة عليها من دون الحاجة في كل حالة إلى قرارات رسمية بمصادرتها.
وتترافق هذه الظروف مع تهديدات تطال المساكن والمنشآت الزراعية، إذ تتلقى عائلات في القرية إخطارات بوقف البناء وأوامر هدم تستهدف منازل بسيطة وحظائر للأغنام وخزانات مياه وطرقًا زراعية، فضلًا عن ألواح الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها السكان في توفير الكهرباء.
ومن بين المتضررين عائلة المزارع ثائر حسين، التي خسرت، بحسب المعلومات الواردة، ممتلكاتها ومقومات عملها الزراعي، لتجد نفسها معتمدة على المساعدات الإغاثية بعدما كانت الزراعة مصدر دخلها الأساسي.
وتزيد القيود المفروضة على البناء من صعوبة تعويض الخسائر أو تطوير المنشآت القائمة، إذ تقع معظم أراضي القرية ضمن المنطقة المصنفة «ج» وفق اتفاقيات أوسلو، حيث تخضع أعمال البناء والتطوير لسيطرة الاحتلال، الذي نادرًا ما يمنح الفلسطينيين التراخيص اللازمة، وفق المؤسسات الحقوقية.
وهكذا، لا يقتصر أثر الاستيطان على مصادرة المساحات الزراعية أو إغلاق المراعي، بل يمتد إلى تقويض قدرة السكان على إصلاح منشآتهم وتطوير وسائل إنتاجهم، ما يضع مستقبل النشاط الزراعي في القرية أمام تحديات متزايدة.
التعليم والصحة في مواجهة العزلة
على الرغم من الظروف الصعبة، يواصل سكان عاطوف التمسك بالحياة اليومية ومحاولة توفير الخدمات الأساسية لعائلاتهم. وتضم القرية مدرسة تخدم الأطفال في المراحل الأساسية، بينما يضطر طلبة المرحلة الثانوية إلى الانتقال إلى بلدات أخرى لاستكمال تعليمهم.
أما الخدمات الصحية، فتقتصر على عيادة تقدم الرعاية الأولية، في حين تحتاج الحالات التي تتطلب علاجًا متخصصًا إلى التوجه نحو مدينة طوباس أو المستشفيات في نابلس. وتزداد صعوبة الوصول إلى هذه الخدمات عند إغلاق الحواجز العسكرية أو تشديد القيود على حركة الفلسطينيين.
وتلقي هذه الظروف أعباء إضافية على الأسر، التي تواجه أصلًا ضغوطًا اقتصادية ناجمة عن تراجع عائدات الزراعة وتربية المواشي وارتفاع تكاليف الإنتاج. كما تتأثر عملية تسويق المنتجات الزراعية بالإغلاقات العسكرية المتكررة، ما يؤدي إلى خسائر، خصوصًا خلال مواسم الحصاد.
وفي ظل محدودية فرص العمل البديلة، يجد السكان أنفسهم أمام معادلة صعبة: مواصلة الاستثمار في الزراعة رغم ارتفاع تكاليفها ومخاطرها، أو تقليص نشاطهم الاقتصادي بما قد يهدد مصدر رزقهم الأساسي.
دعم محدود في مواجهة خسائر متراكمة
تقدم مؤسسات محلية ودولية تعمل في المنطقة أشكالًا من الدعم للأهالي، تشمل توفير خزانات مياه وتأهيل طرق زراعية ومساعدة المزارعين والرعاة، إلى جانب توثيق الانتهاكات التي يتعرضون لها.
لكن هذه التدخلات، على أهميتها، لا تكفي لمعالجة المشكلات التي تواجه القرية، وفق ما يؤكده السكان، في ظل استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمياه، وتواصل الاعتداءات التي تهدد ممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
وتتراكم آثار هذه الظروف على الاقتصاد المحلي؛ فالمزارع الذي يفقد مصدر المياه يضطر إلى تقليص إنتاجه، والذي يُمنع من الوصول إلى المرعى يتحمل كلفة إضافية لشراء الأعلاف، أما من تتعرض منشآته للهدم، فيجد نفسه مضطرًا إلى إعادة بناء ما خسره في ظل قيود تحول دون ذلك بسهولة.
ومع استمرار هذه الضغوط، تصبح قدرة العائلات على الصمود مرتبطة ليس فقط بتوافر المساعدات، بل أيضًا بإمكانية الوصول إلى الأرض والمياه وممارسة الزراعة والرعي من دون تهديد أو اعتداء.
التمسك بالأرض رغم التضييق
تعكس عاطوف واقع التجمعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية، حيث تتشابك القيود العسكرية والاعتداءات الاستيطانية وأزمات المياه مع صعوبات الوصول إلى الخدمات الأساسية، لتجعل الاستقرار في الأرض تحديًا يوميًا للسكان.
ومع ذلك، لا تزال الحياة مستمرة في القرية؛ فالمزارعون يواصلون حراثة ما تبقى من حقولهم، والرعاة يخرجون بمواشيهم إلى المراعي المتاحة، والأطفال يتوجهون إلى مدارسهم، فيما تحاول العائلات الحفاظ على نمط حياتها رغم الخسائر المتراكمة.
وبالنسبة إلى سكان عاطوف، لا تعني الأرض مجرد مساحة للزراعة أو موردًا اقتصاديًا، بل تمثل امتدادًا لحياتهم وتاريخ عائلاتهم ومصدر رزقهم وهويتهم. لذلك، فإن الحفاظ عليها يتجاوز حماية المحاصيل والمواشي، ليصبح معركة يومية من أجل البقاء والاستمرار في واحدة من أكثر مناطق الضفة الغربية تعرضًا لضغوط الاستيطان والقيود الإسرائيلية.