حذّر الخبير في شؤون الإعمار ناجي سرحان من أن قطاع غزة يتجه نحو أزمة إنسانية وعمرانية شديدة الخطورة مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل وجود أكثر من 100 ألف خيمة مهترئة، وآلاف العائلات التي اضطرت إلى العودة والسكن داخل منازل وعمارات متضررة، بعضها مهدد بالانهيار في أي لحظة.
وقال سرحان لـ"الرسالة نت" إن الواقع الحالي في القطاع يجعل الشتاء المقبل أكثر خطورة على السكان، خصوصًا النازحين والعائلات التي لا تمتلك مأوى آمنًا، موضحًا أن أكثر من 100 ألف خيمة أصبحت مهترئة وغير مؤهلة لمواجهة الأمطار والرياح والبرد، بعد أشهر طويلة من الاستخدام وفي ظل عدم توفر بدائل إيواء مناسبة.
وأشار إلى أن أزمة المأوى دفعت عشرات الآلاف من المواطنين إلى السكن داخل مبانٍ تضررت خلال الحرب، رغم ما تمثله من خطورة على حياتهم، لافتًا إلى وجود نحو 1500 منزل وبيت وعمارة سكنية آيلة للسقوط في مناطق مختلفة من قطاع غزة، ويقطن فيها عشرات الآلاف من المواطنين لعدم وجود خيارات أخرى أمامهم.
وأوضح سرحان أن الخطر لا يقتصر على المباني المصنفة آيلة للسقوط بشكل كامل، بل يمتد إلى آلاف الأبنية المتضررة التي توجد فيها كتل خرسانية بارزة وأجزاء من الأسقف والجدران والواجهات المعلقة، والتي يمكن أن تنهار بصورة مفاجئة وتشكل تهديدًا مباشرًا للمارة والسكان، خاصة مع هطول الأمطار واشتداد الرياح خلال فصل الشتاء.
وأضاف أن الأشهر الماضية شهدت حوادث متكررة تؤكد حجم الخطر، مشيرًا إلى أن نحو عشر بنايات انهارت فوق رؤوس قاطنيها منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعدما لجأت إليها عائلات فقدت منازلها ولم تجد مأوى آخر.
وبيّن أن هذه الحوادث تمثل إنذارًا لما قد يحدث خلال الفترة المقبلة، في ظل بقاء أعداد كبيرة من المواطنين داخل مبانٍ تعرضت لقصف مباشر أو أصيبت بتصدعات وأضرار إنشائية واسعة، مؤكدًا أن كثيرًا من هذه المباني بحاجة إلى فحوص هندسية عاجلة لتحديد مدى صلاحيتها للسكن.
وقال سرحان إن حجم الدمار الذي تعرض له قطاع غزة خلق واقعًا عمرانيًا شديد التعقيد، موضحًا أن الاحتلال دمر نحو 85% من الكتلة العمرانية، فيما يتركز السكان حاليًا في رقعة محدودة تقدر بنحو 12% من مساحة القطاع.
وأضاف أن هذا الواقع أدى إلى مستويات غير مسبوقة من الاكتظاظ، وأجبر عائلات كثيرة على السكن في الخيام أو بين أنقاض المنازل أو داخل مبانٍ متضررة، ما يضاعف المخاطر الإنسانية ويجعل أي موجة أمطار أو منخفض جوي مصدر تهديد واسع للسكان.
وأكد أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بعدم توفر البيوت، بل أصبحت أزمة مركبة تشمل الإيواء والسلامة الإنشائية والاكتظاظ والركام والبنية التحتية المتضررة، في وقت لا تزال فيه إمكانات التعامل مع هذه الملفات محدودة مقارنة بحجم الدمار.
وحذّر سرحان كذلك من تحول الركام المنتشر بين الأحياء السكنية إلى مصدر خطر متزايد، موضحًا أن كميات كبيرة منه ما تزال ملاصقة لمناطق يعيش فيها المواطنون أو تقام بجوارها الخيام ومراكز الإيواء.
وقال إن الركام يشكل كارثة بيئية وصحية حقيقية لما قد يحتويه من غبار وملوثات ومخلفات وأجسام خطرة، فضلًا عن تأثيره في الصحة العامة، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والمرضى.
وأضاف أن الخطر يمتد أيضًا إلى الجانب الميداني، إذ إن بقايا المباني والكتل الخرسانية غير المستقرة قد تتحرك أو تنهار، بينما يضطر المواطنون إلى المرور بينها أو الإقامة بمحاذاتها بسبب ضيق المساحات المتاحة للسكن.
وشدد على أن تأخير إزالة الركام وتأمين المباني الخطرة يزيد من حجم التهديد، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تتداخل مناطق السكن المؤقت مع الأبنية المدمرة والمتصدعة.
ورأى سرحان أن دخول فصل الشتاء دون معالجة عاجلة لملف الإيواء والمباني المتضررة سيضع عشرات الآلاف من العائلات أمام أوضاع أكثر قسوة، مشيرًا إلى أن الأمطار قد تزيد من تشبع الجدران والأسقف المتضررة بالمياه وتفاقم التصدعات القائمة فيها.
وأضاف أن الخيام المهترئة لن تكون قادرة على حماية العائلات من الأمطار والبرد، في حين أن المباني غير الآمنة قد تتحول إلى خطر قاتل إذا تعرضت لرياح قوية أو تسربت المياه إلى أجزائها المتصدعة.
ودعا سرحان إلى التعامل مع الملف باعتباره حالة طوارئ إنسانية وعمرانية، تتطلب الإسراع في فحص المباني المهددة بالسقوط، وإخلاء الأكثر خطورة منها، وتأمين الكتل الخرسانية المعلقة، إلى جانب توفير مراكز وبدائل إيواء آمنة للعائلات التي لا تمتلك مأوى.
وأكد أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لحماية أرواح المواطنين قبل أي شيء آخر، محذرًا من أن استمرار الوضع على حاله قد يؤدي إلى حوادث انهيار جديدة، في وقت يعيش فيه سكان القطاع أصلًا وسط ظروف إنسانية قاسية ونقص حاد في خيارات السكن الآمن.
وختم سرحان تحذيره بالتأكيد على أن الشتاء المقبل قد يكون واحدًا من أصعب المواسم على سكان غزة منذ بدء الحرب، إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لمعالجة ملف الإيواء وتأمين المباني المتضررة وإزالة مصادر الخطر من المناطق المكتظة بالسكان.