شكك رئيس الجمعية الفلسطينية في السلفادور سمعان خوري، في إمكانية إجراء انتخابات حقيقية للمجلس الوطني الفلسطيني في الشتات، في ظل غياب آليات واضحة ومعلنة لتنظيم العملية الانتخابية، معتبرًا أن الإعلان عن موعد الانتخابات لا يكفي للقول إن عملية ديمقراطية متكاملة قد بدأت.
وقال خوري وهو عضو مجلس وطني في حوار مع موقع "الرسالة نت"، إن السؤال المطروح اليوم لا يتمثل في كيفية إجراء الانتخابات في الشتات، وإنما في "هل هناك انتخابات حقيقية أصلًا؟".
وأوضح أنه لا يوجد، وفق ما هو معلن، سجل انتخابي واضح، ولا دوائر انتخابية محددة، ولا هيئة مستقلة تشرف على العملية، فضلًا عن غياب قواعد متفق عليها بشأن الترشح والتصويت والفرز.
وأشار إلى أن اتصالات وترتيبات تجري في الوقت ذاته لتشكيل المجلس من خلال التعيين أو ما يسمى بالمجمعات الانتخابية، أو عبر صيغ أخرى غير الواضحة، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في أنه "لا يجوز إعلان انتخابات للشعب، بينما يجري عمليًا اختيار ممثليه بطرق أخرى".
وأكد خوري أن الانتخابات ليست مجرد مرسوم أو موعد يحدد على الورق، وإنما عملية ديمقراطية متكاملة تحتاج إلى قواعد واضحة وآليات معلنة وضمانات للنزاهة.
من يحق له الانتخاب؟
وفيما يتعلق بحق المشاركة في الانتخابات، قال خوري إن هذا السؤال أيضًا لم تتم الإجابة عنه رسميًا بصورة واضحة، متسائلًا عن هوية الفلسطيني الذي يحق له الانتخاب، وما إذا كان الحق يشمل كل فلسطيني في الوطن والشتات، وكيف سيتم تسجيل الناخبين، ومن الجهة التي ستضع السجل الانتخابي وتحدد أهلية الناخب.
وشدد على أن هذه القضايا ليست مسائل تقنية بسيطة، وإنما تمثل جوهر العملية الديمقراطية، مؤكدًا أن موقف الجاليات الفلسطينية في أمريكا اللاتينية واضح في أن المجلس الوطني هو مجلس الشعب الفلسطيني كله، وليس مجلس تنظيم أو سلطة.
وأكد أن الأصل يجب أن يكون ضمان حق جميع الفلسطينيين في المشاركة، دون إقصاء سياسي أو جغرافي أو اجتماعي، محذرًا في الوقت ذاته من أن يتم تحديد من يشارك ومن لا يشارك وفق نتائج سياسية مطلوبة مسبقًا.
وقال إن مثل هذا التوجه يعني الانتقال من مبدأ انتخاب الشعب لممثليه إلى اختيار السلطة لمن يمثل الشعب.
غياب الشفافية
وفي شأن الدوائر الانتخابية وقوائم الناخبين، أكد خوري عدم وجود شفافية حقيقية، وفق ما هو معلن حتى الآن، حول عدد من القضايا الأساسية المتعلقة بالعملية الانتخابية.
وقال: "لا نعرف كيف ستحدد الدوائر، ولا كيف ستوضع قوائم الناخبين، ولا من يملك صلاحية الإشراف، ولا كيف ستضمن النزاهة والمساواة".
ورأى أن المنطق الديمقراطي يقتضي أن تكون قواعد العملية الانتخابية معروفة ومتفقًا عليها قبل البدء بها، وليس أن يتم وضعها أثناء تنفيذ الانتخابات أو تركها لقرارات إدارية وسياسية غير خاضعة للرقابة الشعبية.
وحذر من أن الجهة التي تسيطر على قوائم الناخبين والدوائر وآليات الترشيح يمكنها عمليًا التأثير في النتائج، مؤكدًا أن الشفافية ليست تفصيلًا إجرائيًا، وإنما شرط أساسي لاكتساب العملية الانتخابية شرعيتها.
وأوضح أن الحديث يدور عن ملايين الفلسطينيين المنتشرين في عشرات الدول، وفي ظروف قانونية وسياسية مختلفة، مبينًا أن بعضهم يعيش في مخيمات، وبعضهم يحمل وثائق سفر مختلفة، فيما لا يملك آخرون أوراقًا مستقرة.
وتساءل عن كيفية تمكين هؤلاء من التصويت خلال أسابيع قليلة، في ظل عدم وجود ترتيبات معلنة مع الدول المضيفة، متسائلًا عن أماكن مراكز الاقتراع وسجلات الناخبين والهيئة المشرفة وآليات الرقابة وضمان المشاركة المتساوية.
وقال إن عدم وجود إجابات واضحة عن هذه الأسئلة يثير مخاوف من أن يكون الحديث عن الانتخابات في الشتات "مجرد غطاء سياسي"، بينما يجري في الواقع اللجوء إلى صيغ بديلة من التعيين والاختيار غير الديمقراطي.
وشدد على أنه لا يجوز استخدام صعوبة تنظيم الانتخابات أو التحديات اللوجستية ذريعة لإلغاء حق الشعب الفلسطيني في الانتخاب.
الانتخابات والوحدة
وفيما يتعلق بما إذا كانت الانتخابات يمكن أن تسهم في توحيد النظام السياسي الفلسطيني، قال خوري إن ما يجري بالشكل الحالي لا يقود بالضرورة إلى الوحدة، بل قد يؤدي إلى تعميق الأزمة.
وأوضح أن الوحدة الوطنية لا تتحقق بمجرد تشكيل مجلس جديد بأي ثمن، ولا عبر تغيير أسماء الأشخاص أو إعادة توزيع المقاعد بين القوى، وإنما تحتاج إلى شراكة وطنية وبرنامج سياسي جامع وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني للشعب الفلسطيني كله.
وأشار إلى أن الفلسطينيين يواجهون في هذه المرحلة "إبادة في غزة، واستيطانًا وضمًا وتهجيرًا في الضفة والقدس، ومشاريع لتصفية القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا"، معتبرًا أن الأولوية في هذه اللحظة التاريخية يجب أن تكون لتوحيد الشعب الفلسطيني حول برنامج وطني للتحرر والمقاومة والصمود ومواجهة الاحتلال ومشاريع التصفية.
وحذر من أن إعادة إنتاج المؤسسات بطريقة إقصائية لن تصنع الوحدة، وإنما قد تنتج مؤسسة جديدة تعاني من أزمة شرعية منذ لحظة تشكيلها.
انتقادات لآلية تشكيل المجلس
وفي حديثه عن "كولسة الانتخابات في الشتات"، قال خوري إن ما يجري، يجب أن يسمى باسمه الحقيقي، معتبرًا أنه عندما لا تكون هناك انتخابات فعلية معلنة القواعد، وتبدأ الاتصالات لاختيار أشخاص وممثلين، وتعقد تفاهمات مع جهات محددة، وتطرح أسماء قبل أن يعرف الشعب كيف سينتخب، فإن العملية لا تكون انتخابات بالمعنى الديمقراطي.
وأضاف أن ما يجري في هذه الحالة يصبح "عملية ترتيب مسبق للتمثيل"، موضحًا أن اختلاف المسميات بين التعيين والمجمع الانتخابي والتوافق واختيار الممثلين لا يغير جوهر السؤال: "من اختار هؤلاء؟ ومن منحهم التفويض؟".
وقال إن التوافق الحقيقي يجب أن يكون وسيلة لحماية حق الشعب الفلسطيني، وليس وسيلة للالتفاف على حقه في الاختيار.
اتصالات "فتح"
وحول الاتصالات التي تجريها حركة فتح في الشتات، أكد خوري ضرورة التمييز بين حق أي فصيل فلسطيني في التواصل السياسي والتنظيمي، وبين تحويل هذه الاتصالات إلى وسيلة لتقرير مستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني.
وقال إن من حق حركة فتح أن تتحدث مع من تريد، كما هو حق جميع القوى الفلسطينية، لكنه شدد على أن فتح، "مهما كان تاريخها وحجمها"، لا تستطيع وحدها أن تقرر من يمثل الشعب الفلسطيني في الشتات.
وأضاف أن المجلس الوطني ليس مجلسًا خاصًا بحركة فتح، ولا بأي فصيل فلسطيني آخر.
وقال: "لا يمكن أن نطالب الشعب الفلسطيني بالانتخابات في العلن، ثم نختار ممثليه في الغرف المغلقة"، مؤكدًا أن هذا الموقف ليس استهدافًا لحركة فتح وحدها، وإنما موقف مبدئي ضد أي جهة تحاول احتكار القرار أو إعادة إنتاج الهيمنة من خلال التعيين أو الإقصاء.
وأكد خوري أنه لا يعارض إجراء الانتخابات، وإنما يرفض "الكذب على الشعب الفلسطيني باسم الانتخابات".
وقال إن المطلوب اليوم ليس تشكيل مجلس وطني جديد بأي ثمن، وإنما استعادة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلًا وطنيًا جامعًا، على أساس الديمقراطية والتعددية والشراكة الوطنية، وفي إطار برنامج تحرر وطني يوحد الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ومشاريع تصفية القضية.
وختم بالتأكيد أن الأولوية ليست لإجراء انتخابات شكلية أو إعادة تشكيل مجلس وفق نتائج محددة سلفًا، وإنما للمقاومة والوحدة الوطنية وإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أساس برنامج للتحرر، ومؤسسات تستمد شرعيتها من الشعب لا من التعيين.