مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

محمد أبو مطر.. الناجي الوحيد من فرقة (مدّاحي جباليا)

محمد أبو مطر.. الناجي الوحيد من فرقة (مدّاحي جباليا)
محمد أبو مطر.. الناجي الوحيد من فرقة (مدّاحي جباليا)

الرسالة نت - متابعة خاصة

حين يصدح محمد أبو مطر (٣٢عامًا) بصوته في أحد شوارع مخيم جباليا شمال قطاع غزة، لا يبدو وكأنه ينشد وحيدًا. ففي داخله أصوات خمسة رجال كانوا يشكلون معًا فرقة أحبها أهالي المخيم لسنوات طويلة. لكن الحرب سرقت تلك الأصوات واحدًا تلو الآخر، وأبقت له مهمة ثقيلة؛ أن يحمل الذاكرة وحده!

قبل الحرب، كانت فرقة "مدّاحي جباليا" حاضرة في المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية. يجوب أفرادها أحياء المخيم، يحيون الليالي الإيمانية، وينشدون المدائح النبوية والترانيم في مناسبات عديدة كالإسراء والمعراج يحكون عن حب الرسول والصبر والثبات.

يقول محمد أبو مطر: "كانت الفرقة تتكون مني ومن صديقي محمد أبو المعزة، وإخوتي الثلاثة براء ونبيل ويوسف. كنا خمسة أصوات نجوب مخيم جباليا تحت اسم مدّاحي جباليا. نمدح الرسول ونحيي المناسبات الدينية بأصوات جميلة ومؤثرة".

كان لكل واحد منهم صوته الخاص، لكنهم حين يجتمعون كانوا يشكلون لحنًا واحدًا يعرفه أهل المخيم جيدًا. لم تكن أناشيدهم مجرد أداء فني، بل كانت جزءًا من حياة الناس اليومية وذاكرتهم الجماعية.

ومع بداية الحرب، اختار أفراد الفرقة البقاء في جباليا مثل آلاف العائلات التي رفضت مغادرة بيوتها في موجة النزوح الأولى.

يستذكر محمد تلك الأيام قائلًا: "لم يرحل أي واحد منا من مخيم جباليا في النزوح الأول. كنا نجلس مع الناس ونمدح لهم ونطبطب عليهم بالكلمات الملحنة. كنا نحاول أن نثبتهم ونخفف عنهم الخوف والحزن".

في الليالي التي كان القصف يهز فيها المخيم، كانت أصوات المدّاحين ترتفع بين الناس. كانوا ينشدون للصبر والثبات، ويحاولون أن يمنحوا الأهالي شيئًا من السكينة وسط مشاهد الموت والدمار. لكن الحرب لم تمهلهم طويلًا!

في العام الماضي، استُهدفت الفرقة، واستشهد أربعة من أعضائها؛ محمد أبو المعزة، وبراء، ونبيل، ويوسف أبو مطر. خلال لحظات قليلة، فقد محمد رفاق دربه وإخوته الذين شاركوه سنوات طويلة من الإنشاد والمديح.

يقول بصوت مثقل بالفقد: "رحلوا الأربعة وبقيت وحدي. كانوا يتمتعون بأصوات جميلة. اليوم أمدح وحدي، وأتذكرهم وأبكي في الوقت نفسه".

لم يعد محمد يسمع أصواتهم إلا في ذاكرته. كل نشيد يردده يعيده إلى تلك الأيام التي كانوا يقفون فيها جنبًا إلى جنب، يتبادلون المقامات والألحان، ويرسمون بأصواتهم حالة من الطمأنينة في المخيم. ولكنه رغم الفقد، لم يتوقف عن الإنشاد.

ففي شوارع جباليا المدمرة، ما زال صوته يتردد بين الركام، حاملًا أسماء رفاقه وإخوته الذين غابوا. وبين حين وآخر يرفع صوته بواحدة من أكثر العبارات التي يرددها تأثرًا: "يا ريت يوافيني الأجل وأفديك يا فلسطين".

وحين ينتهي من الإنشاد، يعود الصمت ليحيط به من جديد. صمت ثقيل يذكره بأن الفرقة التي كانت تتكون من خمسة أصوات أصبحت صوتًا واحدًا فقط.

لكن محمد أبو مطر ما زال يواصل السير في شوارع جباليا، حاملًا اللحن الأخير. ينشد للرسول، وللشهداء، وللمخيم الذي أحبوه جميعًا. ينشد نيابة عن أربعة أصوات غابت، وعن فرقة كاملة لم يبق منها سوى رجل واحد يحاول أن يحفظها من النسيان!

بث مباشر