حلّ أول أيام عيد الأضحى المبارك على سكان قطاع غزة هذا العام مثقلاً بآثار الحرب والحصار، في مشهد غابت عنه مظاهر البهجة المعتادة، وحضرت فيه أصوات القصف وأوجاع الفقد والنزوح، فيما أدى آلاف الفلسطينيين صلاة العيد بين أنقاض منازلهم المدمرة وفي مخيمات النزوح التي تحولت إلى ملاذٍ قسري لمئات الآلاف من العائلات.
وفي الوقت الذي اعتادت فيه شوارع غزة أن تضجّ بأصوات الأطفال وطقوس العيد وزيارات الأقارب وتوزيع لحوم الأضاحي، وجد الغزيون أنفسهم أمام عيد استثنائي تهيمن عليه مشاهد الخيام والدمار، وسط حرمان واسع من شعيرة الأضاحي نتيجة الحصار الخانق وانعدام القدرة الشرائية وشحّ المواشي وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق.
كما حُرم آلاف المواطنين من أداء فريضة الحج لهذا العام، في ظل استمرار إغلاق المعابر وصعوبة السفر، ليجتمع على سكان القطاع حرمانان؛ من فرحة العيد ومن رحلة الحج التي طالما انتظروها.
ولم تتوقف آلة الحرب حتى في أول أيام العيد، إذ استشهد أمس أربعة مواطنين بينهم امرأة، وأصيب آخرون، جراء غارة إسرائيلية استهدفت عمارة سكنية في حي الرمال غربي مدينة غزة، في استمرار للهجمات التي تطال المناطق المدنية رغم الأجواء الدينية والمناسبات الإنسانية.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة وصول ستة شهداء إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بينهم أربعة جرى انتشالهم من تحت الأنقاض، إضافة إلى 34 إصابة. وأشارت إلى أن عدداً من الضحايا ما زالوا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب الظروف الميدانية الصعبة.
ووفق بيانات الوزارة، فقد بلغ عدد الشهداء والمصابين منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي 906 شهداء و2747 مصاباً، فيما وصلت الحصيلة التراكمية منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 72,803 شهداء و172,855 مصاباً.
وفي سياق متصل، كشف المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال ارتكب منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ قبل 227 يوماً نحو 3005 خروقات وانتهاكات جسيمة، شملت عمليات قصف واستهداف مباشر للمدنيين وإبادة مربعات سكنية كاملة وإطلاق نار متكرر وتوغلات داخل المناطق السكنية.
وأوضح المكتب أن هذه الانتهاكات أسفرت عن استشهاد 910 مواطنين وإصابة 2747 آخرين، إضافة إلى اعتقال واختطاف 82 مواطناً، ما يعكس استمرار التدهور الإنساني والأمني رغم الاتفاق المعلن.
كما أشار إلى أن الاحتلال سمح بدخول 49,973 شاحنة فقط من أصل 135,600 شاحنة كان من المفترض دخولها إلى القطاع، بنسبة التزام لم تتجاوز 36%، الأمر الذي فاقم من أزمة الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، وترك آثاراً مباشرة على قدرة السكان على توفير مستلزمات العيد وأبسط مقومات الحياة.
وفي مشهد يلخص واقع غزة اليوم، افترش المصلون الأرض بين الركام، ورفعوا أكفّهم بالدعاء وسط الخيام، فيما ارتدى كثير من الأطفال ملابس قديمة أو ممزقة، وغابت موائد اللحوم وزيارات المعايدة المعتادة، لتحلّ مكانها أمنيات بسيطة تتصدرها المطالبة بالأمن ووقف القصف والعودة إلى المنازل.
وبينما يحتفل المسلمون في مختلف أنحاء العالم بعيد الأضحى، يواصل سكان غزة استقبال العيد بأحزانهم الثقيلة، حاملين أملاً بأن يكون العيد القادم مختلفاً؛ عيداً بلا حرب، وبلا نزوح، وبلا خيام تنتظر نهاية معاناة امتدت لأشهر طويلة.