٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

من السنوار إلى رموز الحركة الأسيرة..

جثامين فلسطينية تحتجزها إسرائيل ومصير مجهول خلف أبواب «أبو كبير»

الرسالة نت- خاص

بعد عامين على استشهاد رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس يحيى السنوار في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، لا يزال مصير جثمانه محاطًا بالغموض، بعدما نقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى معهد «أبو كبير» للطب الشرعي في تل أبيب، قبل أن تعلن وسائل إعلام إسرائيلية الاحتفاظ به في موقع سري، دون الكشف عن مكانه النهائي أو موعد تسليمه لعائلته.

ويعيد استمرار احتجاز جثمان السنوار إلى الواجهة ملف مئات الجثامين الفلسطينية التي تحتفظ بها إسرائيل في ثلاجات ومراكز الطب الشرعي ومقابر الأرقام، بينها جثامين قيادات وشخصيات فلسطينية وأسرى ارتقوا داخل السجون، في سياسة تقول المؤسسات الحقوقية الفلسطينية إنها تحرم العائلات من حقها في الوداع والدفن، وتحوّل جثامين أبنائها إلى أوراق ضغط ومساومة.

وتؤكد تقارير إسرائيلية أن جثمان السنوار خضع للتشريح في معهد أبو كبير يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول 2024، بعد يومين من استشهاده خلال مواجهة مع قوات الاحتلال في حي تل السلطان برفح، قبل نقله إلى مكان سري داخل إسرائيل، وسط حديث عن إمكان استخدامه في مفاوضات تبادل مستقبلية.

ولا يقتصر الملف على يحيى السنوار، إذ انضم شقيقه محمد السنوار، أحد أبرز القادة العسكريين في كتائب القسام، إلى قائمة القيادات التي استولت القوات الإسرائيلية على جثامينها، بعد استشهاده في مايو/أيار 2025.

ففي الثامن من يونيو/حزيران من العام ذاته، أعلن الاحتلال العثور على جثمان الشهيد القائد  محمد السنوار؛ بعد استهدافه في 13 مايو/أيار، مؤكدًا إخضاع الجثمان لإجراءات التعرف إلى الهوية.

وذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أن الجثمان نُقل إلى إسرائيل لغرض التعرف إليه، ما يؤكد وقوعه تحت سيطرة سلطات الاحتلال، في حين لم يتسنّ التحقق من مكان احتجازه حاليًا، أو إثبات نقله إلى معهد أبو كبير تحديدًا.

وبذلك، يجتمع ملفا الشقيقين يحيى ومحمد السنوار في قضية الجثامين التي احتجزتها إسرائيل، مع اختلاف المعلومات المتاحة بشأن مسار نقل كل جثمان ومكان وجوده.

ولا ينحصر احتجاز الجثامين في القيادات التي استشهدت خلال الحرب على غزة، بل يمتد إلى أسماء بارزة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، بينها الأسير والكاتب وليد دقة، الذي استشهد داخل السجون الإسرائيلية في السابع من أبريل/نيسان 2024، بعد نحو أربعة عقود من الاعتقال، وظل جثمانه مدرجًا في قوائم الجثامين المحتجزة.

ويبرز كذلك الشيخ خضر عدنان، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، الذي استشهد في الثاني من مايو/أيار 2023 عقب إضراب عن الطعام استمر 86 يومًا، وناصر أبو حميد، أحد أبرز أسرى حركة فتح، الذي استشهد في ديسمبر/كانون الأول 2022 بعد معاناة مع مرض السرطان.

وتضم القوائم الحقوقية أيضًا أسماء مثل داود الزبيدي من مخيم جنين، وبسام السايح من نابلس، وكمال أبو وعر من قباطية، إلى جانب الطبيب عدنان البرش، الذي استشهد في السجون الإسرائيلية في أبريل/نيسان 2024.

وتوثق هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية احتجاز جثامين هذه الشخصيات ضمن قوائم شهداء الحركة الأسيرة، دون أن يعني ذلك وجود جميع الجثامين في معهد أبو كبير، إذ تتوزع مواقع الاحتجاز بين الثلاجات ومرافق أخرى ومقابر الأرقام.

وتكشف أحدث البيانات الصادرة عن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى، في 26 أغسطس/آب 2026، عن توثيق 799 شهيدًا معلومة هوياتهم تحتجز إسرائيل جثامينهم، بينهم 256 جثمانًا في مقابر الأرقام، و99 شهيدًا من الحركة الأسيرة، و81 طفلًا، و10 شهيدات.

وكانت الحملة قد أعلنت في 13 أغسطس/آب الماضي توثيق 800 جثمان، بينها 544 جثمانًا منذ استئناف سياسة الاحتجاز عام 2015. ويعكس اختلاف العددين تحديث القوائم الحقوقية، فيما تؤكد المؤسسات المختصة أن الحصيلة غير نهائية، ولا تشمل بالضرورة جميع جثامين شهداء قطاع غزة.

وفي السياق ذاته، أشارت الحملة إلى معلومات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية عن احتجاز نحو 1700 جثمان من قطاع غزة، وهو رقم أوسع من قوائم الجثامين المعلومة هويات أصحابها، ولا تتوافر بشأن جميع حالاته معلومات تفصيلية عن مواقع الاحتجاز.

ويعد معهد أبو كبير للطب الشرعي في تل أبيب أحد أبرز المراكز الإسرائيلية التي تُنقل إليها جثامين فلسطينية للتشريح أو التعرف إلى الهوية، إلا أن مرور الجثمان عبر المعهد لا يعني بالضرورة استمرار وجوده داخله.

وتشير المعطيات المتاحة إلى اعتماد إسرائيل على عدة مرافق للاحتفاظ بالجثامين، إلى جانب مقابر الأرقام التي تضم قبورًا تحمل أرقامًا بدل أسماء أصحابها، ما يزيد صعوبة تتبع أماكن دفن الجثامين أو تحديد مصيرها.

وتبقى المعلومات المتعلقة بمواقع احتجاز شخصيات فلسطينية بارزة محدودة، خصوصًا في الحالات التي تعلن فيها إسرائيل نقل الجثامين إلى أماكن سرية دون الكشف عن تفاصيلها، كما حدث مع جثمان يحيى السنوار.

وفي سبتمبر/أيلول 2019، أجازت المحكمة العليا الإسرائيلية، بأغلبية أربعة قضاة مقابل ثلاثة، استمرار احتجاز جثامين فلسطينيين لاستخدامها في مفاوضات مستقبلية. كما أيدت المحكمة في يناير/كانون الثاني 2025 سياسة احتجاز جثامين فلسطينيين من داخل الأراضي المحتلة عام 1948 لأغراض التفاوض.

واعتبر مركز عدالة الحقوقي أن هذه القرارات تنتهك كرامة الموتى وحقوق عائلاتهم، في حين استندت المحكمة الإسرائيلية إلى اعتبارات أمنية وتفاوضية لتبرير الاحتجاز.

وبعيدًا عن الأرقام وأماكن الاحتجاز، تبقى عائلات مئات الشهداء الفلسطينيين محرومة من تسلّم جثامين أبنائها وإقامة مراسم دفنهم.

وتصف الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء هذه المعاناة بأنها حالة من «الحداد المعلّق»، إذ لا يتوقف الألم عند فقدان الابن أو الأب، بل يتواصل مع غياب الجثمان وحرمان الأسرة من معرفة مكانه.

وبين جثمان يحيى السنوار الذي نقلته إسرائيل إلى موقع سري، وجثمان شقيقه محمد الذي أعلنت العثور عليه ونقله للتعرف إلى هويته، وجثامين شخصيات بارزة من الحركة الأسيرة، تتجدد الأسئلة بشأن مصير الجثامين الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل.

وفي الذكرى الثانية لاستشهاد يحيى السنوار، يبقى السؤال قائمًا: أين تحتفظ إسرائيل بجثمانه، ومتى تتمكن عائلته، إلى جانب مئات العائلات الفلسطينية، من استرداد جثامين أبنائها ودفنهم؟

 

بث مباشر