٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

خمسة أحبة رحلوا من قلب أم طارق عياد.. وبقيت لترعى أيتامهم

الرسالة نت - متابعة

 تكن سلام عياد، المعروفة في غزة بـ«أم طارق»، تعرف أن عليها أن تتعلّم أسماء الفقد واحدًا واحدًا، وأن تحفظ وجوه أحبّتها في ذاكرتها بعدما يغيبون، وأن تصبح يومًا جدّةً لأيتام أبنائها، وأمًّا لأطفال فقدوا آباءهم، وناجيةً تحمل في صدرها مقبرةً لا تتّسع لها أرض.

لم تكن تعرف أن الحياة ستأخذ منها والدها، ثم ابنها، ثم زوجها، ثم ثلاثة من أبنائها، وأن البيت الذي جمع عائلتها سيصبح ركامًا، فيما تبقى هي لتحمي ما تبقّى من العائلة، وتحتضن الأطفال الذين تركهم الراحلون خلفهم.

منذ عام 2004، لم يعد الموت خبرًا عابرًا في حياة أم طارق. في ذلك العام، استُشهد والدها الحاج مصطفى صرصور في غارة إسرائيلية استهدفت الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس.  كان والدها مقرّبًا من الشيخ ياسين، واستُشهد معه في الهجوم.

لم تمضِ سوى أربعين يومًا حتى فقدت ابنها محمد أيضًا. أربعون يومًا فقط فصلت بين رحيل الأب والابن؛ لم تكن كافية لاستيعاب الخسارة الأولى، ولا لتضميد جرحها قبل أن يُفتح جرح آخر. 
لكن الحكاية لم تتوقف عند هذا الحد؛ بعد أن شاركها زوجها حاتم عياد، المعروف بأبي طارق، خمسة عشر عامًا من الحياة، قبل أن يستشهد في قصف إسرائيلي أواخر عام 2008.
 رحل الزوج، وبقيت سلام أمام مسؤولية الأبناء، تحاول أن تكون لهم الأم والأب معًا، وأن تحفظ في قلوبهم صورة أبيهم، بينما تواصل الحياة في مدينة لا يكفّ الموت فيها عن الاقتراب من البيوت.

كبر الأبناء، لكن الفقد لم يترك العائلة وشأنها. استُشهد ابنها طارق خلال مسيرات العودة، و وترك طفلًا يتيمًا.
 انتقلت أم طارق من حزن الأم على ابنها إلى مسؤولية الجدّة التي تحاول أن تعوّض طفلًا عن أب لن يعود، وأن تمنحه من الحنان ما يخفف عنه قسوة اليُتم.

وفي حرب الإبادة على غزة، استُشهد ابنها رائد، تاركًا طفلين صغيرين. طفلان آخران وجدا نفسيهما أمام حياة غاب عنها الأب، فيما وجدت أم طارق نفسها مطالبة بأن تكون لهما سندًا، رغم أنها كانت تحتاج إلى من يسندها في مصابها.
 صارت ترى في وجوه أحفادها ملامح ابنها الغائب، وتمنحهم من قلبها المثقل ما استطاعت من الرعاية والاحتواء.

ثم استُشهد ابنها مصطفى؛ ثلاثة أبناء رحلوا عنها: طارق ورائد ومصطفى. ثلاثة أسماء لم تعد تناديها في البيت فتجيبها أصواتهم، وثلاثة مستقبلات انقطعت قبل أن تكتمل. لم تفقد أم طارق أبناءها فحسب، بل فقدت أيضًا تفاصيل يومية لا تعوّضها الكلمات، وأحلامًا كانت تنتظر أن تراها تتحقق في حياتهم.

والأم التي تفقد ابنًا تحتاج إلى من يربّت على كتفها، فكيف إذا توالت الخسارات، وأصبح أحفادها أيتامًا ينتظرون منها أن تكون لهم العائلة والأمان؟
 لم يمنحها الحزن وقتًا كافيًا لتبكي الراحلين، إذ ظلت مسؤولية الأطفال تردّها إلى الحياة، وتضع بين يديها واجبًا جديدًا في كل مرة.

ولم تنتهِ الخسارات عند هذا الحد؛ فقدت أم طارق والدتها، ثم والد زوجها، وشقيقها محمود، لتتسع دائرة الغياب من حولها، ويصبح الحزن جزءًا من تفاصيل حياتها، لا ضيفًا عابرًا يزورها ثم يمضي.

لا تستطيع الكلمات أن تحصي ما يعنيه أن تفقد الأم أباها وزوجها وأبناءها، وأن تواصل الوقوف بينما يتكئ عليها أطفال فقدوا آباءهم. لكن أم طارق، وسط هذا الركام من الغياب، بقيت حاضنةً لأيتام أبنائها، تحاول أن تمنحهم ما تبقّى لديها من حب، وأن تحميهم من أن يبتلعهم الفقد كما ابتلع منها خمسة أحبة.

بث مباشر