مع غروب الشمس في مخيمات النزوح على امتداد محافظات قطاع غزة، تبدأ معركة يومية جديدة لا تقل قسوة عن الجوع أو الحر أو الحرب نفسها.
داخل الخيام المهترئة، يحاول آلاف النازحين تغطية وجوه أطفالهم بقطع قماش خفيفة، وإشعال أي شيء يمكن أن يخفف هجوم البعوض والحشرات التي أصبحت تملأ معظم المناطق مؤخرًا مع ارتفاع درجات الحرارة وتراكم النفايات ومياه الصرف الصحي.
تقول المواطنة أم أسامة حسين، وهي نازحة في مخيمٍ بمنطقة المواصي جنوب القطاع، إن أطفالها لم يعودوا قادرين على النوم ليلًا بسبب أسراب البعوض والبراغيث التي تهاجمهم باستمرار.
وتضيف: "نستيقظ كل صباح على أجساد مليئة باللدغات والطفح الجلدي".
وفي كثير من المخيمات، تحاصر الخيام برك المياه الراكدة وروائح الصرف الصحي المكشوفة، بينما تنتشر القوارض والذباب والصراصير والبراغيث بشكل واسع بين أماكن النوم والطعام.
ووثقت تقارير ميدانية انتشارًا كبيرًا للحشرات داخل مخيمات النزوح، وسط شكاوى متزايدة من إصابات جلدية وحالات حساسية والتهابات بين الأطفال.
وفي ذات السياق تقول أم خالد خليل إن أطفالها يستيقظون مذعورين من لسعات البعوض، بينما تعجز معظم العائلات عن توفير أي وسائل حماية أو مبيدات حشرية.
وتضيف: "حتى الليل أصبح مخيفًا.. لا نستطيع النوم من الحشرات".
وفي شهادة صادمة، تحدثت إحدى النازحات عن خروج ثعبان من تحت وسادة طفلها داخل الخيمة، في ظل البيئة المفتوحة المحاطة بالركام والنفايات.
من جهته، حذر المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، خليل الدقران، من تزايد أعداد المرضى الذين يصلون إلى المستشفيات بسبب الأمراض الجلدية والنزلات المعوية والتهابات الجهاز التنفسي الناتجة عن البيئة الملوثة داخل المخيمات.
وأكد أن تجمع المياه وغياب شبكات الصرف الصحي يشكلان بيئة مثالية لتكاثر الحشرات وانتشار الأمراض.
كما حذرت بلديات قطاع غزة من تفاقم انتشار القوارض والبعوض بسبب طفح مياه الصرف الصحي وتراكم الركام والنفايات، مؤكدة أن القطاع يفتقر منذ أشهر طويلة إلى المبيدات ووسائل المكافحة اللازمة نتيجة الحصار واستمرار الحرب.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن الظروف البيئية داخل مراكز النزوح تنذر بكارثة صحية حقيقية، خاصة مع الاكتظاظ الشديد وانعدام المياه النظيفة وتراجع خدمات النظافة العامة.
ويعيش مئات آلاف النازحين داخل خيام مصنوعة من النايلون والقماش في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، بينما تتحول الحرارة والرطوبة والحشرات إلى تهديد يومي يلاحق الأطفال والمرضى وكبار السن.
وفي غزة، لم تعد الخيام مجرد أماكن للنزوح، بل بيئة قاسية تختلط فيها رائحة الحرب بالصرف الصحي، ويقضي سكانها لياليهم في محاولة النجاة من عدو صغير يلسع أجسادهم بصمت، ويترك خلفه أمراضًا وخوفًا لا ينتهي!