٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

من غزة إلى السودان: الحروب تتحول إلى مصانع للأوبئة

الرسالة نت-وكالات

الحروب في العصر الحديث لم تعد مجرد معارك تقاس بحجم الدمار وعدد القتلى، بل أصبحت أحد أخطر الأسباب التي تعيدإنتاج الأوبئة وتؤدي إلى أزمات صحية طاحنة. ما يُجمع عليه الخبراء والمنظمات الصحية هو أن الصراع المسلح لا يدمر فقط البنية العسكرية، بل ينهب البنى التحتية المدنية التي تشكل درعًا واقيًا ضد الأمراض.  

المياه: خط الدفاع الأول الذي يتهاوى

خدمات المياه النظيفة والصرف الصحي ليست رفاهية — إنها خط الدفاع الأساسي ضد الأمراض المعدية. عندما تتعطل هذه الخدمات بسبب الحرب، يُفتح الباب واسعًا أمام انتشار البكتيريا والفيروسات والطفيليات. تتداخل مياه الشرب مع مياه الصرف، وتتكدس النفايات، وتصبح البيئة بيئة مثالية لانتشار الأمراض.  

منظمة الصحة العالمية تقول إن الدول التي تشهد نزاعات تُحمل أكثر من 70% من عبء الأمراض المعرضة للأوبئة عالميًا — مثل الكوليرا والحصبة والتهاب السحايا — كما تسجل أعلى معدلات وفيات يمكن الوقاية منها بين الأطفال والأمهات.  

غزة: الماء صراع يومي

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، تعرضت البنية التحتية للمياه والصرف الصحي لدمار هائل. أكثر من 85% من منشآت المياه والصرف الحيوية أصيبت بأضرار أو توقفت عن العمل، وانخفضت قدرة الآبار الجوفية إلى ما يقرب من ربع طاقتها الطبيعية بسبب القصف ونقص الوقود وصعوبة تشغيل المنشآت.  

محطات ضخ الصرف الصحي تلفت أو تتضرر، ما يؤدي إلى تدفق مياه ملوّثة إلى الأحياء السكنية، وأصبحت محطات التحلية عاجزة عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء. مئات آلاف السكان اضطروا للاعتماد على مياه غير آمنة للشرب والاستخدام اليومي.  

النتيجة؟ ارتفاع حاد في الأمراض المعدية. تقارير رسمية سجلت في 2025 نحو 1862 حالة اشتباه بالتهاب السحايا، من بينها أكثر من 270 حالة اشتباه بالتهاب السحايا البكتيري، إضافة إلى الالتهابات التنفسية الحادة، والإسهال المائي، والالتهابات الجلدية وغيرها.  

الأطفال: الضحايا الأكثر هشاشة

الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، لأن أجسامهم أكثر حساسية للجفاف وسوء التغذية والأمراض المعدية. نقص المياه النظيفة وشح الغذاء يُضاعف من احتمال وفاة الأطفال بأمراض يمكن الوقاية منها بسهولة في الظروف الطبيعية، مثل الإسهال والحصبة والالتهاب الرئوي.  

والمأساة تتعاظم مع تراجع برامج التطعيم الروتينية، حيث يجعل النزوح المستمر وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية معدلات التحصين ضد أمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال في انخفاض مخيف.  

عودة شلل الأطفال

في أغسطس 2024 أعلنت الجهات الصحية في غزة عن اكتشاف فيروس شلل الأطفال في مياه الصرف الصحي، ما يشير إلى أن الظروف البيئية المنهارة تُعيد ظهور أمراض كانت تحت السيطرة عالميًا لعقود. وجود الفيروس في مياه الصرف يُعد مؤشرًا خطيرًا على نقص التحصين وتلوث البيئة الصحية، مما يضع الأطفال غير المحصنين في دائرة الخطر المباشر.  

السودان: الكوليرا تفتح أبوابها

الصراع في السودان الذي بدأ في أبريل 2023 أدى إلى تراجع حاد في كفاءة مرافق المياه والكهرباء بنحو 70% في 13 ولاية، حسب تقديرات اليونيسيف. الهجمات على محطات المياه والكهرباء وترسانة النزوح الجماعي جعلت ملايين السودانيين يعتمدون على مخيمات مكتظة ومياه ملوثة.  

في هذه البيئة الموبوءة، شهد السودان ثلاث موجات رئيسية من تفشي الكوليرا منذ اندلاع الحرب، مع أعداد هائلة من الإصابات والوفيات. في ولاية النيل الأبيض وحدها أصيب الآلاف بما في ذلك مئات الأطفال، بعد أن توقفت محطات ضخ المياه بسبب انقطاع الكهرباء واضطر السكان لاستخدام مصادر ملوثة.  

وبحلول مارس 2025، وصلت الكوليرا إلى 12 ولاية سودانية، مع تسجيل أكثر من 57 ألف حالة اشتباه و1534 وفاة.  

آثار طويلة المدى

التجربة في الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك. آثار انهيار خدمات المياه والصحة تمتد لسنوات — أجيال من الأطفال قد تواجه مشاكل دائمة في النمو والمناعة والقدرات المعرفية نتيجة سوء التغذية وفقدان التحصين.  

بمثل هذه الظروف، لم تعد الحروب تقتل فقط بالقذائف، بل تتحول المياه الملوثة، وانعدام النظافة، ونقص الخدمات الصحية إلى أسلحة صامتة تفتك بالمدنيين لأعوام طويلة بعد انتهاء الأحداث الميدانية.  

بث مباشر