في واحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للصدمة منذ اندلاع الحرب على غزة، فجّر مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نقاشًا دوليًا واسعًا حول الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، خصوصًا ما يتعلق بالعنف الجنسي والتعذيب الممنهج، وهي اتهامات لم تعد تصدر فقط عن مؤسسات فلسطينية أو حقوقية عربية، بل باتت تتقاطع مع شهادات وتحقيقات صادرة عن جهات دولية وإسرائيلية أيضًا.
المقال الذي كتبه الصحفي الأمريكي المعروف نيكولاس كريستوف لم يمر مرورًا عابرًا، بل تحوّل إلى نقطة اشتباك سياسي وحقوقي وإعلامي، بعدما أعاد تسليط الضوء على ملف طالما حاولت سلطات الاحتلال إبقاءه في دائرة الظل والتعتيم.
كريستوف، المعروف بكتاباته الإنسانية الجريئة، لم يكتف بعرض شهادات ومزاعم حول الانتهاكات، بل وجّه سؤالًا مباشرًا حمل في مضمونه اتهامًا أخلاقيًا وسياسيًا بالغ الخطورة، حين قال: “إذا كانت هذه المزاعم غير صحيحة، فلماذا لا يُسمح للصليب الأحمر والمحامين بزيارة نحو تسعة آلاف أسير فلسطيني مصنفين كأسرى أمنيين؟”.
هذا السؤال، الذي بدا بسيطًا في ظاهره، وضع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام معضلة حقيقية؛ إذ إن منع الزيارات الدولية المستقلة، وحرمان الأسرى من التواصل الطبيعي مع المحامين والجهات الرقابية، يعزز الشكوك أكثر مما ينفيها، ويفتح الباب واسعًا أمام التساؤل حول ما الذي يجري فعلًا خلف جدران المعتقلات.
ولم يكن لافتًا فقط مضمون المقال، بل حجم التفاعل العنيف الذي أعقبه، خاصة مع تصاعد حملات التشكيك والهجوم ضد كل من يحاول توثيق هذه الانتهاكات أو الحديث عنها.
في هذا السياق، خرج رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان د رامي عبده متحدثًا عن “حملات اغتيال معنوي وتشويه ممنهج” تستهدفه شخصيًا وتستهدف المؤسسة الحقوقية التي يديرها، على خلفية المعلومات والشهادات المتعلقة بجرائم التعذيب والعنف الجنسي بحق الأسرى الفلسطينيين.
عبده اعتبر أن الهجوم لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف الحقيقة ذاتها، مشددًا على أن التشكيك بكاشفي الجرائم أصبح أداة تقليدية لمحاولة نزع الشرعية عن الضحايا أنفسهم.
وفي واحدة من أكثر النقاط حساسية، دعا عبده ببساطة إلى فتح غزة والسجون أمام الصحافة الأجنبية ولجان التحقيق الدولية، والسماح للضحايا بالإدلاء بشهاداتهم مباشرة أمام العالم، معتبرًا أن أي رفض لذلك يعكس خشية من انكشاف المزيد من الحقائق الصادمة.
المفارقة الأبرز في هذا الملف أن الاتهامات لم تعد مقتصرة على مؤسسات فلسطينية أو عربية، بل إن منظمات إسرائيلية بدأت هي الأخرى تدق ناقوس الخطر بصورة غير مسبوقة.
فمنظمة بتسيلم الإسرائيلية تحدثت صراحة عن وجود “شبكة من معسكرات التعذيب” بحق الفلسطينيين، مشيرة في تقارير حملت عناوين ثقيلة مثل “مرحبًا بكم في الجحيم” و“الجحيم على الأرض” إلى وقائع تتعلق بالتجويع والإذلال والعنف الجسدي والنفسي داخل مراكز الاحتجاز.
هذه الشهادات الإسرائيلية تحديدًا تحمل دلالة بالغة الأهمية؛ لأنها تنزع عن الرواية الفلسطينية تهمة “التحيز”، وتضع المجتمع الدولي أمام معطيات صادرة من داخل البيئة الإسرائيلية نفسها، بما يصعب تجاهله أو التقليل من شأنه.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التقارير الحقوقية الدولية حول أوضاع الأسرى الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تشير مؤسسات حقوقية إلى تصاعد غير مسبوق في الاعتقالات الجماعية، والإخفاء القسري، ومنع الزيارات، إضافة إلى شهادات متكررة عن التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من العلاج والطعام.
وبينما تتواصل حالة الصمت أو التردد الدولي الرسمي، يرى مراقبون أن ما كشفه مقال “نيويورك تايمز” قد يشكل نقطة تحول في طريقة تناول هذا الملف عالميًا، خصوصًا أن الحديث هذه المرة لا يدور حول “ادعاءات سياسية”، بل حول اتهامات تمس واحدة من أخطر الجرائم التي يجرّمها القانون الدولي الإنساني بشكل قاطع.
وفي حال استمرت الدعوات المطالِبة بلجان تحقيق مستقلة، والسماح بزيارات رقابية دولية للسجون، فإن الاحتلال سيجد نفسه أمام اختبار أخلاقي وقانوني متصاعد، يصعب احتواؤه عبر حملات العلاقات العامة أو الاتهامات التقليدية بمعاداة السامية أو “التحيز”.