في منتصف مارس 2024، عبر "إسماعيل.ك" إلى جمهورية مصر العربية بوثيقة سفر تُستخدم لمرة واحدة، كون جواز سفره منتهي الصلاحية، وبعد أيام من وصوله برفقة عائلته، ذهب كحال الغزيين إلى السفارة الفلسطينية، لتبدأ رحلة المعاناة، حين تقدم بطلب لتجديد جواز سفره.
في بداية الأمر، كان تأخر وصول الجوازات لأسابيع طويلة يبدو أمرًا طبيعيًا، لكن طالت المدة وهناك الآلاف، كحاله، لا يزالون ينتظرون "الرد".
وحين طال انتظار "إسماعيل" للحصول على جوازه، كبقية أفراد أسرته، ظل يسأل بشكل مستمر داخل السفارة، وكان الرد: "لسه ما صدر، تعال المرة الجاية، في قوائم جديدة". ليكتشف بعد عام أن جواز سفره محتجز في السفارة، وأن هناك "منعًا أمنيًا"، ضاق كثيرًا، فلم يرتكب أي ذنب سوى أنه "موظف حكومة غزة".
اعترض كثيرًا على القرار، وحاول بشتى الوسائل الحصول على جواز سفره، لكنه لم يتمكن، كما يقول لـ"الرسالة نت"، موضحًا أن احتجاز جواز سفره أفقده الكثير من الفرص، خاصة المنح الدراسية، وهو متخصص في هندسة الحاسوب، كما شتّت شمل عائلته التي وصلت إلى ماليزيا.
يقول: "الآن أنا بلا أوراق ثبوتية، وفي حال فكرت بالعودة إلى قطاع غزة سأتردد ألف مرة، كون قرار السلطة في رام الله بحرماني من جواز سفري، أخشى أن أُعتقل عند الحواجز أو أقع بين أيدي العصابات، فهذه طريقة تسهّل على الطرفين اصطياد الشباب وإهانتهم، والسلطة تساهم في ذلك".
هذه الحالة وصلت إليها "الرسالة نت" بعد منشور أثاره الكاتب والمحلل السياسي عدلي صادق عبر صفحته على فيسبوك، حول احتجاز السفارة الفلسطينية في مصر لنحو 5 آلاف جواز سفر دون وجه حق، والدواعي التي يُتردد أنها "منع أمني"، مما يثير التساؤل حول قانونية احتجاز جوازات السفر وتأثيرها على الغزي الذي ينتظر العودة إلى قطاع غزة أو البحث عن فرصة عمل أو دراسة خارج مصر.
حرمان الوثائق الرسمية
لم يقتصر المنع على الرجال، بل طال السيدات أيضًا، كما جرى مع "آية عمر" – اسم مستعار – وهي زوجة شهيد وصلت إلى مصر عبر تنسيق شركة "ياهلا" برفقة أطفالها الأربعة في السادس من إبريل/نيسان 2024، وكان دخولها بوثائق سفر مؤقتة إلى حين إصدار جوازات سفر لها ولأطفالها.
تقدمت بطلب الحصول على جوازات السفر في السفارة، وبقيت تنتظر ورود اسمها ضمن كشوفات الجوازات القادمة من رام الله، والتي تعلن عنها السفارة بين حين وآخر، جميع من تقدموا معها تسلموا جوازاتهم، باستثنائها وأطفالها.
وبواسطة أحد أقاربها في رام الله، تمكنت من معرفة أنه تم إصدار جوازات سفر لها ولأطفالها، لتكتشف أن جوازها موجود لكنها محرومة من استلامه.
حاولت الاستفسار أكثر من مرة، حتى علمت أن السبب هو "منع أمني"، لكونها كانت تعمل معلمة في حكومة غزة، وتعلّق قائلة: "هل هذا سبب يحرمني أنا وأطفالي؟ ألا يكفي أن زوجي استشهد ولم يعد لنا سند؟".
وتتابع: "هل أصبح تعليم أبناء بلدي جريمة تُعاقَب عليها المعلمات؟"، مستنكرة القرار، ومؤكدة أنه يثير مخاوفها كذلك بشأن العودة إلى قطاع غزة.
وتقول لـ "الرسالة نت": "بيتي في النصيرات ما زال قائمًا كما هو، لكنني أخشى العودة بسبب عدم امتلاكي جواز سفر، وقد يكون حرماني منه ذريعة لإهانتنا أو اعتقالي عند المعبر فور الوصول".
المرصد الأورومتوسطي: الحرمان من الوثائق الرسمية من أشكال العقاب الجماعي والتمييز السياسي
وفي هذا السياق، وثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أزمة احتجاز السلطة الفلسطينية جوازات سفر آلاف الفلسطينيين من قطاع غزة العالقين في مصر، في ظل شكاوى متزايدة من استخدام ما يُعرف بـ"المنع الأمني" ذريعةً لرفض إصدار الجوازات أو تجديدها.
وأشار المرصد إلى أن هذه الإجراءات خلّفت تداعيات قانونية وإنسانية خطيرة على الغزيين المقيمين في مصر، إذ وضعت كثيرين منهم في "منطقة قانونية رمادية" نتيجة تعطل تجديد إقاماتهم الرسمية، ما يعرّضهم لخطر الاحتجاز أو الترحيل القسري، فضلًا عن فقدان القدرة على إبرام عقود العمل أو استكمال إجراءات الدراسة والعلاج.
وندد المرصد بهذه السياسات، معتبرًا أن حرمان الفلسطينيين من وثائقهم الرسمية يمثل شكلًا من أشكال العقاب الجماعي والتمييز السياسي، وانتهاكًا واضحًا للحق في حرية التنقل، خاصة في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها النازحون من قطاع غزة.
وبيّن أن الأزمة طالت شرائح واسعة من الغزيين، بينهم جرحى ومرضى وطلاب، حيث يضطر بعضهم إلى الانتظار لأشهر طويلة دون الحصول على جوازات سفرهم، فيما يتعرض آخرون – وفق شهادات متداولة – لظروف ابتزاز مالي مقابل تسريع إجراءات الإصدار أو التجديد.
منصة إلكترونية لتوثيق شكاوى المواطنين
أثار منشور كتبه المحلل السياسي عدلي صادق حالةً من الجدل حول أزمة احتجاز السلطة الفلسطينية جوازات سفر آلاف المواطنين الفلسطينيين من قطاع غزة الموجودين خارج الأراضي الفلسطينية، ما دفع عشرات المتابعين إلى سرد قصصهم مع الحرمان من الجوازات، أو التعبير عن غضبهم تجاه القرار.
وفي هذا السياق حذّر الكاتب والمحلل السياسي عدلي صادق من تفاقم أزمة احتجاز السلطة الفلسطينية جوازات سفر آلاف المواطنين الفلسطينيين من قطاع غزة الموجودين خارج الأراضي الفلسطينية، مؤكدًا أن القضية تحولت إلى معاناة إنسانية وقانونية متصاعدة تمس أكثر من خمسة آلاف فلسطيني، معظمهم عالقون في دول عربية وأجنبية دون وثائق رسمية تمكّنهم من متابعة حياتهم الطبيعية.
وقال صادق في منشور له عبر الفيسبوك نقلته "الرسالة نت" إن احتجاز جوازات السفر لا يقتصر أثره على تقييد حركة المواطنين، بل يمتد إلى تعريضهم لأزمات مع سلطات الدول المضيفة، نتيجة انتهاء الإقامات أو تعطل المعاملات الرسمية، معتبرًا أن ما يحدث يمثل "نقلًا للحصار من داخل غزة إلى خارجها"، لكن هذه المرة عبر جهة يفترض أنها مسؤولة عن حماية مصالح المواطنين.
الكاتب عدلي صادق: استمرار احتجاز جوازات السفر يفتقر إلى أي مبرر قانوني أو إداري
وانتقد صادق استمرار ما وصفه بـ"الممارسة الشائنة"، متسائلًا عن الأساس القانوني أو الدستوري الذي يجيز حرمان أي مواطن من حقه في الحصول على جواز سفر، حتى في حال وجود اتهامات أو مخالفات بحقه، مشيرًا إلى أن الحق في الوثائق الرسمية لا يجوز مصادرته بقرارات أمنية غير معلنة.
وأوضح أن منشوراته السابقة حول القضية دفعت عشرات المتضررين للتواصل معه وإرسال شهاداتهم، مبينًا أن معظم الرسائل جاءت من فلسطينيين يقيمون خارج الأراضي الفلسطينية ويعانون من تعطل مصالحهم الحياتية بسبب عدم حصولهم على جوازات سفرهم.
ونقل صادق عن أحد المتضررين دعوته للتوجه إلى المؤسسات الحقوقية العربية والدولية، من بينها المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى جانب هيئات حقوقية دولية، للضغط من أجل إنهاء الأزمة ووقف ما وصفه بـ"الانتهاك المستمر" بحق الفلسطينيين العالقين في الخارج.
كما أشار إلى رسالة أخرى تلقاها من طالب طب فلسطيني يدرس في إحدى الجامعات المصرية، عبّر فيها عن خشيته من تعطّل مستقبله الدراسي بسبب عدم تجديد جواز سفره، متسائلًا عما إذا كان بالإمكان إصدار جواز مؤقت يتيح له استكمال معاملاته القانونية والدراسية.
وأكد صادق أن غالبية المتضررين هم من الفئات التي غادرت قطاع غزة لأغراض الدراسة أو العلاج أو العمل، وقد خضعوا مسبقًا لإجراءات وتدقيقات أمنية قبل سفرهم، معتبرًا أن استمرار احتجاز جوازاتهم يفتقر إلى أي مبرر قانوني أو إداري.
ولفت إلى أن غياب الوثائق الرسمية يضع الفلسطينيين في مواجهة مباشرة مع قوانين الدول المضيفة، التي تشترط وجود أوراق ثبوتية سارية لاستكمال الإقامة أو العمل أو الدراسة، محذرًا من أن ذلك قد يعرّض بعضهم لخطر الترحيل أو فقدان حقوقهم الأساسية.
وأشار صادق إلى مقترحات أرسلها متضررون، من بينها إنشاء منصة إلكترونية لتوثيق شكاوى المواطنين المحتجزة جوازات سفرهم، بهدف تسليط الضوء على القضية وممارسة ضغط حقوقي وإعلامي لإنهائها.
وبعد تزايد الشكاوى التي ينشرها الفلسطينيون العالقون في القاهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على أمل أن تجد معاناتهم صدى لدى الجهات المعنية وتمكينهم من الحصول على حقهم القانوني في جوازات السفر، تواصلت "الرسالة نت" مع أحد العاملين في السفارة الفلسطينية للاستفسار حول ما يتردد بشأن منع تسليم الجوازات لأسباب أمنية.
إلا أن الرد اقتصر على القول: "لا نريد الحديث في هذا الموضوع"، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول دور السفارة في التعامل مع أزمة تمس آلاف الفلسطينيين العالقين خارج قطاع غزة، في ظل غياب توضيحات رسمية بشأن أسباب احتجاز جوازات سفرهم أو آليات حل القضية.
"التحول لعصفور" ينهي الأزمة
وهنا حكاية أخرى، يرويها المهندس إسماعيل رمضان أحمد، ليحكي جانبًا من معاناة الفلسطينيين العالقين خارج قطاع غزة بسبب احتجاز جوازات سفرهم، مؤكدًا أن جواز سفره ما يزال محتجزًا منذ ثمانية أشهر رغم صدوره رسميًا.
ويقول إن رسالة وصلته تفيد بأن جواز السفر أصبح موجودًا داخل السفارة الفلسطينية، إلا أن السفارة أبلغته لاحقًا بأنه لم يصل وأنه "محتجز"، دون توضيح أسباب قانونية واضحة.
وما يفاقم معاناته هو شعوره بأن القضية تتجاوز الإجراءات الإدارية إلى ما وصفه بـ"العقاب السياسي"، مضيفا إن البعض أخبره صراحة بأن تغيير مواقفه أو "التحول إلى عصفور"، بحسب التعبير المتداول، قد يسهّل حصوله على جواز السفر.
كما تعرض لمحاولات ابتزاز مالي، موضحًا أن أحد الأشخاص طلب منه مبلغًا ماليًا مقابل المساعدة في تسليم جوازه، في وقت يعيش فيه آلاف الفلسطينيين الظروف ذاتها.
ويشير إسماعيل إلى أن أرقامًا متداولة داخل السفارة تتحدث عن احتجاز نحو 7700 جواز سفر، تعود لفلسطينيين من فئات مختلفة، بينهم أبناء شهداء وزوجاتهم، وموظفون سابقون في حكومة غزة، وأشخاص محسوبون على فصائل سياسية مختلفة أو تعرضوا، بحسب وصفه، لـ"تقارير كيدية".
ويعبّر عن استغرابه من استمرار هذه الإجراءات، متسائلًا عن الجهة التي تتخذ مثل هذه القرارات، ومعتبرًا أن احتجاز جواز السفر يمس أحد أبسط حقوق الإنسان، لأنه يحرم المواطن من إثبات هويته وحرية الحركة والسفر والعمل.
ويؤكد أن حرمان المواطن من جواز سفره لا يجوز أن يتم إلا بقرار قضائي معلن، وليس بناءً على اتهامات أو تصنيفات غير واضحة، مضيفًا أن بعض الأصوات ساهمت في تأجيج الأزمة من خلال المطالبة بحرمان فئات معينة من الجوازات تحت ذرائع سياسية أو اتهامات قد تكون كيدية، وفق تعبيره.
وللوقوف على الجوانب القانونية لهذه القضية الشائكة، التي تحرم آلاف الفلسطينيين خارج قطاع غزة من حرية التنقل والعلاج والتعليم، أكد الباحث القانوني كريم أبو عجيرم أن احتجاز جوازات سفر فلسطينيين من قطاع غزة الموجودين خارج الأراضي الفلسطينية يثير إشكاليات قانونية ودستورية خطيرة، خاصة في ظل غياب أي قرارات قضائية معلنة تبرر منع تسليم هذه الوثائق الرسمية لأصحابها.
وأوضح أبو عجيرم، في حديثه لـ"الرسالة نت"، أن جواز السفر يُعد وثيقة رسمية شخصية مرتبطة بحق المواطن في التنقل والسفر، ولا يجوز احتجازه أو الامتناع عن تسليمه إلا وفق سند قانوني واضح وإجراءات معلنة تصدر عن جهة مختصة وتخضع لرقابة القضاء.
حقوقي: منع تسليم جوازات السفر دون مبرر مشروع يشكل انتهاكًا مباشرًا للقانون الأساسي الفلسطيني وللمعايير الدولية
وأشار إلى أن أي تقييد لهذا الحق خارج إطار القانون قد يمثل تجاوزًا لمبدأ المشروعية وسيادة القانون، مؤكدًا أن القانون الأساسي الفلسطيني كفل حرية التنقل والحريات الشخصية، كما أن المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان اعتبرت حرية التنقل والسفر من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها دون مبررات قانونية واضحة.
وبيّن أبو عجيرم أن منع تسليم جوازات السفر دون مبرر مشروع قد يشكل انتهاكًا مباشرًا للقانون الأساسي الفلسطيني وللمعايير الدولية، خاصة إذا تسبب ذلك بأضرار فعلية للمواطنين في الخارج، كتعطل الدراسة أو العلاج أو فقدان فرص العمل والإقامة القانونية.
وحول التداعيات القانونية لهذه الإجراءات، أوضح أن الجهات التي تتسبب بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحرمان المواطنين من استلام جوازاتهم قد تتحمل مسؤولية قانونية وإدارية، وربما تعويضية، إذا ترتب على ذلك فقدان الإقامة أو التهديد بالترحيل أو تعطيل المصالح الأساسية للمتضررين.
وأضاف أن المسؤولية قد تتضاعف في حال ثبوت وجود تعسف أو إهمال جسيم أو تمييز في تطبيق الإجراءات، لافتًا إلى أن تطبيق هذه السياسات على فئة جغرافية محددة من الفلسطينيين دون دراسة فردية لكل حالة قد يثير شبهة التمييز الإداري أو العقاب الجماعي.
وأكد أبو عجيرم أن هذا الأمر يتعارض مع مبادئ المساواة أمام القانون وعدم التمييز التي نصت عليها القوانين الفلسطينية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وفيما يتعلق بالخيارات القانونية المتاحة، أوضح أن بإمكان المتضررين اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في القرارات أو الإجراءات التي تمس حقوقهم، والمطالبة بإلزام الجهات المختصة بتسليم جوازات السفر وتعويض الأضرار الناتجة عن احتجازها.
كما دعا المؤسسات الحقوقية إلى توثيق الحالات ورفع تقارير إلى الهيئات الرقابية والحقوقية المحلية والدولية، إلى جانب ممارسة ضغط قانوني وإعلامي لضمان احترام الحقوق الدستورية للفلسطينيين في الداخل والخارج.
الشرعية والمواطنة الفلسطينية
يرى الباحث السياسي محمد شاهين أن سياسة احتجاز جوازات سفر أبناء قطاع غزة في الخارج تكشف عمق التوتر داخل بنية العلاقة بين أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وقطاع غزة، وتعبّر عن حالة تشظٍّ في مفهوم الشرعية، وصلت – بحسب وصفه – إلى مستوى الصراع عليها.
ويشير شاهين إلى أن هذه السياسة تعكس ما يعتبره "تغوّل ثنائية الحكم"، حيث تتداخل الواجهة المدنية البيروقراطية مع قبضة أمنية خلفية، ما يحوّل جواز السفر من وثيقة مدنية محايدة إلى أداة ذات دلالة سياسية مشروطة.
محلل سياسي: احتجاز جوازات سفر الغزيين يعكس عمق التوتر بين أجهزة أمن السلطة وقطاع غزة
ويضيف خلال حديثه لـ "الرسالة نت" أن هذا النهج يقوم على مرتكزين أساسيين: الأول جغرافي، إذ يستهدف أبناء قطاع غزة بشكل جماعي، بحيث يصبح الانتماء للمكان سببًا كافيًا للمنع، وهو ما يتعارض مع مبدأ عدم التمييز الوارد في القانون الأساسي الفلسطيني. أما المرتكز الثاني فهو سياسي، ويطاول – وفق تحليله – كل من يُشتبه بارتباطه بقوى معارضة، ما يعكس غياب العشوائية ويفتح الباب أمام قرارات مركزية أمنية غير خاضعة لرقابة قضائية فعّالة.
ويرى شاهين أن هذا الواقع يعكس استمرار حالة الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007، حيث تتداخل الصلاحيات بين المؤسسات الإدارية والأمنية، بما يفضي إلى نقل قرارات حساسة مثل المنع واحتجاز الوثائق إلى دوائر أمنية مغلقة.
ويعتبر أن هذه الإجراءات تُستخدم، في السياق السياسي القائم، كأداة ضغط داخلية، يتم من خلالها تحويل الحقوق المدنية إلى مساحة للمساومة السياسية، وربط التمتع بالحقوق بدرجة الولاء أو الخضوع.
ويحذر من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تكريس شكل من العقاب الجماعي المقنّع، بما ينعكس سلبًا على مفهوم المواطنة الفلسطينية الجامعة، ويضعف الرابط القانوني والدستوري بين المواطن ومؤسسات تمثيله.
كما يشير إلى أن تحويل الجواز الفلسطيني في الخارج من أداة حماية وانتماء إلى وسيلة تقييد، ينعكس بشكل مباشر على وعي الفلسطيني في الشتات، حيث يمثل الجواز بالنسبة له صلة أساسية بالهوية والوطن، ودرعًا قانونيًا يحميه من الضياع في أنظمة دول متعددة.
ويخلص شاهين إلى أن تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية، في ظل هذه السياسات، قد يدفع شرائح من الفلسطينيين نحو البحث عن بدائل أو مرجعيات أخرى للحماية، ما يفاقم حالة الانقسام ويعمّق الأزمة الوطنية، ويؤثر على تماسك النسيج الاجتماعي والسياسي الفلسطيني على المدى البعيد.
وفي النهاية، هذه القضية تفتح باب التساؤل: هل من المنطقي أن يُحرم الفلسطيني، وخاصة الغزّي، من حقه في الحصول على جواز سفر يفتح له نافذة على العالم، بسبب رأي سياسي أو انتماء وظيفي أو خلفية جغرافية؟ وهل يُعقل أن تتحول هذه الوثيقة، التي يفترض أنها حق أصيل، إلى أداة عقاب أو تصنيف؟
وفي المقابل، يبقى السؤال الأشد وقعًا: هل يمكن أن تأتي الضربة من "أبناء البلد" أنفسهم، بدل أن تكون الحماية منهم؟ أسئلة مفتوحة تعكس حجم الأزمة، وتضع ملف جوازات السفر في قلب جدل أوسع حول العدالة والمواطنة والحق في الحياة الكريمة دون تمييز أو قيود غير مبررة.