لم تكن صفاء عودة تبحث عن جائزة عالمية حين أمسكت قلمها داخل الخيمة.
كانت فقط تحاول أن تنجو من الحرب بالرسم.
في غزة، حيث تتشابه الخيام وتضيق الحياة إلى الحد الأدنى، جلست الرسامة الفلسطينية الشابة أمام قطعة قماش مهترئة، تحيط بها أصوات القصف والنزوح والجوع، وبدأت ترسم. لم يكن هناك مرسم حقيقي، ولا طاولة مريحة، ولا ألوان مكتملة. كانت الخيمة نفسها تتحول كل يوم إلى دفتر مفتوح للوجع الفلسطيني.
هناك، وسط النزوح، واصلت صفاء عودة توثيق الحياة اليومية للغزيين برسوم كاريكاتيرية وإنسانية حملت تفاصيل الناس البسطاء؛ أم تحتضن أبناءها في البرد، طفل يبحث عن الماء، ووجوه متعبة تحاول النجاة من حرب لا تنتهي. لم ترسم السياسة بقدر ما رسمت الإنسان المنهك داخلها.
هذا الصوت الخارج من الخيام وصل أخيرًا إلى العالم. فقد فازت صفاء عودة بجائزة جنيف الدولية لرسوم الصحافة لعام 2026، تقديرًا لأعمالها التي وثقت المأساة الإنسانية في قطاع غزة، لتصبح واحدة من أبرز الأصوات الفنية الفلسطينية التي واجهت الحرب بالرسم بدل الصمت.
لكن المفارقة القاسية أن الرسامة التي احتفى بها العالم، ما تزال تعيش داخل غزة نفسها؛ المكان الذي خرجت منه كل تلك الرسومات. فبحسب تقارير إعلامية، تواصل صفاء حياتها وسط ظروف الحرب والنزوح، رغم حصولها سابقًا على حق اللجوء في فرنسا، فيما بقيت أعمالها شاهدة على يوميات الخيام والدمار والجوع.
ولم تكن هذه الجائزة الأولى في مسيرتها خلال الحرب. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، حصدت أيضًا جائزة “أفضل عمل منفرد” ضمن الجوائز السنوية لمجلة Broken Frontier البريطانية، عن رسوم تناولت الحرب على غزة بلغة إنسانية مؤلمة وبسيطة في آن واحد.
أصدقاء صفاء يقولون إن الرسم بالنسبة لها لم يعد مجرد فن، بل وسيلة للبقاء. كانت ترسم كي لا يبتلعها الخوف، وكي تمنح الناس المحاصرين شيئًا يشبه الذاكرة. حتى الخيمة نفسها، التي صارت رمزًا للنزوح الفلسطيني الجديد، تحولت على يديها إلى مساحة مقاومة ناعمة، تُعلّق فوق جدرانها وجوه الناجين وحكاياتهم.
وفي الوقت الذي تتساقط فيه الأخبار سريعًا من شاشات العالم، جاءت جائزة جنيف لتعيد التذكير بأن غزة لا تُروى فقط بالأرقام والدمار، بل أيضًا بالفن الذي يخرج من قلب الكارثة. وأن فتاة فلسطينية تجلس داخل خيمة صغيرة، استطاعت برسوماتها أن تجعل العالم يرى ما تحاول الحرب طمسه كل يوم.