لم تعد الطفلة إيلياء مليطات تحب الأسئلة.كلما حاول أحد أن يسألها عن أمها، تُشيح بوجهها نحو الحائط، أو تختبئ خلف باب الغرفة الصغيرة في بيت عمتها، ثم تصمت طويلًا، كأن الكلمات نفسها أصبحت تؤلمها.
منذ تلك الليلة، تغيّر كل شيء في حياة الطفلة ذات السنوات السبع، حتى صوتها اختفى لأيام طويلة، ولم تعد تعرف كيف تحكي ما رأته.
في طريق العودة قرب طولكرم، كانت إيلياء تجلس إلى جوار والدتها أسيل حماد داخل السيارة، حين أوقفت قوات الاحتلال المركبة فجأة. لم تفهم الطفلة ما الذي يحدث، لكنها رأت الجنود يفتحون الباب بعنف، ثم يحيطون بأمها. حاولت أسيل أن تطمئن ابنتها المرتجفة، لكن الجنود كبّلوا يديها أمام عيني الصغيرة التي اتسعتا خوفًا؛ وبقيت إيلياء تبكي داخل السيارة بينما كانت أمها تُقتاد بعيدًا.
ذلك المشهد لم يغادر الطفلة؛ ولاحقًا، اعتُقل والدها أيضًا، لتجد الطفلة نفسها وحيدة، بلا أم تعانقها، ولا أب يعود مساءً إلى البيت. انتقلت للعيش مع عمتها، التي تحاول كل يوم أن تجمع ما تبقى من طفولة إيلياء المبعثرة بين الخوف والغياب.
وفيما تكبر إيلياء بعيدًا عن والديها، تتسع في الضفة الغربية وغزة حكايات مشابهة لأطفال يعيشون الفقد والخوف ذاته تحت سياسة الاعتقال الإداري. فبحسب مؤسسات الأسرى الفلسطينية، تحتجز سلطات الاحتلال اليوم أكثر من 9600 أسير فلسطيني، بينهم ما يزيد على 3500 معتقل إداري يُحتجزون دون تهمة أو محاكمة، استنادًا إلى “ملفات سرية” لا يُسمح لهم أو لمحاميهم بالاطلاع عليها. وخلال الأشهر الأولى من عام 2026 وحده، أُصدر أكثر من 2400 أمر اعتقال إداري جديد أو مجدد، في واحدة من أعلى موجات الاعتقال منذ سنوات. وبين هذه الأرقام الكبيرة، تبقى حكاية إيلياء وجهًا صغيرًا لواقع يترك آلاف الأطفال الفلسطينيين يكبرون على الغياب، والخوف، وانتظار أبواب لا تُفتح.
لكن الطفلة، كما تقول العائلة، ترفض الحديث عن يوم الاعتقال. لا تروي شيئًا، ولا تحب أن تسمع تفاصيل ما جرى. حتى حين تُذكر أسماء والديها، يتغير وجهها فجأة، ويغمرها صمت ثقيل أكبر من عمرها بكثير.
تقول مقربات من العائلة إن إيلياء تعاني وضعًا نفسيًا صعبًا منذ اعتقال والديها، وإن آثار الصدمة تبدو واضحة عليها؛ طفلة في السابعة تحمل داخلها ذاكرة اقتحام كاملة، وصورة أم تُسحب بالقوة بينما كانت تناديها بعينيها فقط.
في بيت عمتها، تحاول إيلياء أن تعيش يومًا عاديًا كأي طفلة: تلوّن أحيانًا، تراقب الأطفال من الشباك، وتنام ممسكة بثياب أمها القديمة. لكن الحرب التي دخلت قلبها مبكرًا جعلت الطفولة نفسها تبدو بعيدة، كشيء لم يعد يخصها تمامًا.
إيلياء لا تعرف معنى “الاعتقال الإداري”، ولا تفهم لماذا اختفى والداها فجأة. كل ما تعرفه أن البيت أصبح ناقصًا، وأن الخوف يمكن أن يبقى طويلًا داخل طفل صغير، حتى بعد أن يغادر الجنود المكان.