مقال: حرائق إسرائيل: ألسنة اللهب تأكل منظومة الأمن الصهيونية

إيمان المتسهل
إيمان المتسهل

بقلم إيمان المتسهل

 

وصلت طائرة "سوبر تانكر" الأمريكية العملاقة لمساندة الأسطول الإقليمي الكبير للطائرات التي تُشرف على إخماد الحرائق المندلعة في الكيان الصهيوني منذ خمسة أيام بلياليها دون انقطاع. موجة الحرائق التهمت أكثر من 41 ألف دونم من الأراضي المحتلّة وأهلكت الحرث والزرع وتسبّبت بخسائر مادية فادحة حيث دُمّر أكثر من 1000 منزل وقُدّرت الخسائر في حيفا وحدها ب500 مليون شيكل.

 عندما اندلعت الحرائق في الكيان، كنت أعتقد أنها حدث عرضي يحدث في كل الأماكن وأن أجهزة الإطفاء ستتمكن في النهاية من إخماد الحرائق وإنهاء الأزمة، إلاّ أنّ هول الحرائق واتساع رقعتها وانتشارها بشكل كبير في مناطق متفرقة وبنسق تصاعدي بعث الشكّ والريبة في النفوس. فكلّما أطفأت إسرائيل نارًا، اشتعلت نارٌ أخرى في مكان آخر، من القدس إلى حيفا إلى مستوطنات الضفة المحتلة، الحرائق لم تنتهِ ولم تخمد بل ازدادت قوتها بسبب عوامل الطقس من رياح وجفاف وانعدام للأمطار، الأمر الذي عرقل مهمّة رجال الإطفاء بشاحناتهم وطائراتهم وخراطيم مياههم. تسببت الحرائق بإخلاء عشرات الآلاف من مستوطنات الداخل حيث قُدّر عدد المستوطنين الذين تم إجلاؤهم من منازلهم ب60 ألف شخص. المُلفت في الأمر أن الحرائق جاءت بغتة ودون تقديرات مسبقة للأجهزة الصهيونية ممّا تسبب في حالة هلع كبيرة لدى المستوطنين وصدمة كبيرة جدا لدى النخبة السياسية الصهيونية مما دفع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو نفسه للإتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين طلبا للنجدة فتمّ إرسال طائراتين برمائيتين روسيتين من طراز "بي 200" لإخماد النيران الهائجة، كما تداعت الأمم من كل حدب وصوب لمساعدة إسرائيل في محنتها وإخماد نيرانها وتضميد جراحها، الأردن ومصر واليونان وقبرص وتركيا وإيطاليا وكرواتيا وأمريكا وحتى السلطة الفلسطينية لم تتردّد ولم تدخر أي جهد لتقديم يد العون لإسرائيل في وقت شدتها وعسرتها، فالصديق وقت الضيق. كما دعا نتنياهو لعقد جلسة طائرة لمناقشة تداعيات المحرقة التي تعيشها إسرائيل منذ أيام متتالية وكيفية السيطرة على النيران المندلعة. وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان صرّح بأن "إسرائيل أمام معركة حقيقية لم تنته بعد وعلينا أن نبقى مستعدين  لكافة السيناريوهات القادمة"، هذا التصريح يكشف إلى حدّ بعيد هشاشة منظومة الأمن الصهيونية وضُعف جبهتها الداخلية فالملاجئ المخصصة لهم لا تتسع لكل ذلك العدد الهائل من المستوطنين الذين تم إجلاؤهم.

ما بقي غامضا هو أسباب اندلاع النيران والحرائق التي امتدت ألسنتها لتلتهم الأخضر واليابس في مستوطنات الداخل والضفة بالأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تسببت بأضرار جسيمة في البنية التحتية وشبكات الغاز والإتصالات: هل الأسباب عفوية أم متعمدة وناتجة عن أعمال فدائية قام بها الفلسطينيون كما ذكر الإعلام العبري وألمح إلى ذلك العديد من القادة الصهاينة؟ فالمعلوم من الصهاينة بالضرورة هو امتهانهم لفنّ التباكي على تاريخ المحرقة اليهودية، الهلوكوست، فهم لا ينفكّون عن اتهام أي معارض لإسرائيل بتهمة معاداة السامية ولو كان معارضا لبعض من سياستها فقط.

المفتش العام للشرطة الصهيونية روني الشيخ ذكر بأنه تم اعتقال العشرات من الفلسطينيين للإشتباه بهم في إشعال النيران خلال موجة الحرائق التي تشهدها البلاد. وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان قال أيضًا أنّ 50 % من الحرائق مُفتعلة وطالب من الشرطة الإسرائيلية متابعة شبكات التواصل الإجتماعي "بحثا عن أشخاص يُحرّضون على إشعال الحرائق أو يعربون عن سرورهم لشبوبها"، في خطة تعكس مدى ضعف منظومة الأمن والحماية الصهيونية بل وسخافتها في السيطرة على الحرائق، ولكأنّ النيران المُندلعة من أقصى القدس وحيفا تنطلق من صفحات الفيس بوك حتى يتمّ إخمادها بمُجرّد اعتقال المدوّنين وأصحاب الصفحات في الشبكة العنكبوتية! القنوات الصهيونية وصفت ما يحدث بأنها "انتفاضة الحرائق" والمتحدث بإسم الدفاع المدني الصهيوني قال أنه في حالة حرب حقيقية مع "النيران العملاقة" أما رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو فقد أشار بإصبع الإتهام إلى الفلسطينيين وحمّلهم مسؤولية إشعال النيران وهددهم بالملاحقة والمعاقبة حيث صرّح عقب اجتماع طارئ له في مقر رئاسة الوزراء قائلا: "نحن نواجه مشعلي النيران والمحرضين على إشعال النيران ولا شك أن هذه جريمة يجب أن يتم معاقبة مرتكبيها.."

الإعلام العبري نقل مظاهر الفرح والبهجة والشماتة في أوساط المجتمع الفلسطيني والعربي، هذه الشماتة لها مبراتها وتفسيرها فطبيعي للشعوب العربية الحرة أن تبتهج وتشمت في المحرقة التي تعيشها إسرائيل منذ قرابة أسبوع وفي أيّ أذى يلحق بالصهاينة الغاصبين لأرض فلسطين.

بغض النظر ما إذا كانت النيران الممتدة على كافة ربوع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أيام عدة هي عبارة عن كوارث طبيعية أم حرائق متعمّدة بفعل فاعل أو إنها خليط بين ذاك وذاك، فإن كيفية تعاطي الحكومة الصهيونية مع الحرائق وحالة الهلع التي سادت المجتمع الصهيوني والصدمة التي أصابت النخب السياسية ومحاولتها تصدير أزمتها الداخلية والتغطية على عجزها عبر اتهام الفلسطينيين بارتكاب الحرائق قد كشفت فعلا هشاشة هذه الدولة التي لم تستطع لوحدها ولا حتى بمساعدة إقليمية تُحسد عليها من السيطرة على ألسنة اللهب أو إخمادها بشكل كامل. فقد ظهرت أمام الملأ حقيقة هشاشة منظومة الأمن الصهيونية وضعف نخبتها السياسية واتكالها على المساعدات الخارجية والإقليمية لإخماد نيرانٍ مندلعة هنا وهناك. لقد التهمت ألسنة النيران منظومة الأمن الصهيونية.

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من مقالات