عاشت أمتنا مآسيَ كثيرة في القرن الماضي والحالي، وككل المآسي فإنها تبدأ كبيرةً عظيمةً ثم لا تلبث أن تضمحلّ وتتلاشى مع الزمن، وهذا ما ظننتُه في مأساةٍ عظيمة عشتُها بكل وعيٍ وألم في حينها، إنها مأساة البوسنة والهرسك 1992 - 1995 والتي ارتُكبت فيها المجازر البشعة مما أدمى الضمير العالمي والإنساني وليس الإسلامي فقط !! وكان أبشع ما تعرض له المسلمون في البوسنة والهرسك جريمة الاغتصاب الجماعي من قبل الجنود الكروات والصرب ضد المسلمات وبشكل ممنهج كسلاحٍ موجه لقهر المسلمين وكسر إرادتهم من خلال "هتك الأعراض" !!!
كنتُ أعتقد أن هذه المأساة انتهت بانتهاء حرب البوسنة في أواخر 1995، أو أنها على أقصى تقدير ستتلاشى بعد سنوات عندما يتعافى الضحايا من الصدمة النفسية الأليمة والعميقة التي تعرضوا لها !! لكنني صُدمت أكثر وأكثر عندما تفاجأتُ بعد عشرين سنة بتقارير الجمعيات المتخصصة التي أظهرت لنا مدى فظاعة هذا السلاح وبشاعة هذه المأساة التي لم تنتهي حتى يومنا هذا بل وتتوالد وتتزايد ككرة الثلج، فقد أنتجت هذه المأساة الأليمة جيلاً كاملاً من الأطفال غير الشرعيين في البوسنة والذين تجاوزت أعمارهم الآن العشرين سنة !!
لا يُعرف بالضبط إحصاءٌ دقيق لتعداد هذا الجيل، لكن إحصائيات الاغتصاب في حينه كانت تُراوح الأرقام بين 20 ألف و 50 ألف ضحية تعرض للاغتصاب بشكل جماعي ومتكرر أحياناً، وبهدف إنجاب أطفال من أولئك النساء المسلمات الحرائر ومن خلال احتجازهن في معسكرات الاعتقال لمنعهن من الإجهاض حتى انتهاء فترة الحمل وإنجابهن الأطفال .. لتكون الأمهات الضحايا قد غرقن في مستنقع المأساة التي لا يمكن النجاة منها حتى بعد 20 سنةً من هذه الجرائم الأليمة !!
انتهت الحياة الاجتماعية والأسرية لمعظم هؤلاء الضحايا، وأصبحن يعانين النفور والإهمال من المجتمع الظالم، وعشن مع أطفالهن دون الإشارة لحقيقة نسبهم، لكن السرّ لم يكن صعباً للانكشاف في هذا العالم الذي عرف المأساة بكل تفاصيلها، حتى بدأ الكثير من هؤلاء الأطفال يطرح الأسئلة المشروعة حول نسبهم وهوية آبائهم، ولم تنجح محاولات خداعهم بأنهم أبناء شهداء وضحايا الحرب لإصرارهم على معرفة عائلات وأقارب آبائهم إذا كانوا قد ماتوا في الحرب فعلاً .. لتجد الأمهات حينها أنهن أمام الاختبار القاسي لانكشاف الحقيقية !!
وهنا تبدأ المأساة الإنسانية والنفسية الجديدة لهذا الجيل الصاعد، وهو ينظر لنفسه كنتيجة وثمرة لحالة اعتداء قذرة من آباءٍ مجرمين على أمهات مستضعفات مظلومات، ثم يعاني من نظرة المجتمع وإهماله وهم أبناءٌ "غير شرعيين" لا يستطيعون إكمال مشوار حياتهم بالعمل والزواج وتكوين أسر جديدة، لنكون أمام مأساةٍ فريدة من نوعها ربما على مرّ التاريخ لأنها ستتوالد من هؤلاء الضحايا جيلاً بعد جيل !!
إن فظاعة هذه المأساة لم تتوقف عند هذا الحدّ ، فالعديد من ضحاياها من النساء المسلمات يعرفن من قام بهذه الأفعال ضدهن ، فكثيرٌ من الجنود الصرب والكروات الذين نفذوا هذه الجرائم كانوا جيران المسلمين في ديارهم لما نشبت الحرب ، ويلتقون بهم حتى الآن ، لكن ضعف ذات اليد يمنعهم حتى من مقاضاة هؤلاء المجرمين الذين يرونهم أمام أعينهم لعدم تمكنهم من الإنفاق على تكاليف القضايا في المحاكم المحلية أو الدولية ، وحتى لو تطوع بعضُ المحامين أو الجمعيات لمساعدتهن فإن هؤلاء المجرمين يجدون الدعم المالي الكبير من المنظمات الصربية بما يحميهم أمام المحاكم والقضاء ، وهو ما يضع علامة استفهامٍ كبيرة على تقصير العالم الإسلامي شعوباً ومؤسساتٍ وحكومات في حق هؤلاء المسلمين الضحايا ، على الأقل من خلال توفير الأموال الكافية لنيل حقوقهن بالقضاء المحلي أو الدولي الذي أثبتت التجربة إمكانية ذلك فعلاً من خلاله إذا توفّر الدعم المالي والقانوني الكافي.
إن عجلة الزمن لا يمكن أن تعود إلى الوراء ، لكن أقلّ القليل يتمثّل في محاولة استرداد حقوق هؤلاء الضحايا بمعاقبة المجرمين ونيل جزاءهم العادل وإجبارهم على تعويض الضحايا ، وهو ما يحتّم على المسلمين جميعاً وكل الأحرار في العالم بمختلف المنظمات والمؤسسات الأهلية والحكومات أن تتضافر جهودها لغسل هذا الجرح الإنساني العميق ، ليس فقط من خلال القضاء والمحاكم بل وكذلك من خلال إنشاء الجمعيات لرعاية هؤلاء الضحايا وأبناءهم ودعمهم نفسياً وتوفير مشاريع الدخل الكفيلة بضمان الحياة الكريمة الآمنة لهم ، فضلاً عن برامج الدمج المجتمعي واستيعاب هذا الجيل المظلوم.
إن هذه المأساة التي كنا نسميها في حينها مأساة القرن (أي القرن العشرين) وهي بحق مأساة العصر وهي تدخل القرن الجديد .. تمت في قلب أوروبا وعلى مسمع ومرأى كل منظمات حقوق الإنسان وحكومات ودعاة الحرية والكرامة والإنسانية في أوروبا دون أن يقوموا بواجبهم الكافي تجاه المجرمين وحماية الضحايا أو على الأقل إنصافهم ودعمهم بعد انتهاء الحرب، فهي قضية ومأساة لا تتعلق بالمسلمين وحدهم -وإن كانوا الأولى في القيام بواجب الدعم-بل هي قضية ستبقى وصمة عارٍ على جبين الإنسانية.