نعيش اليوم الذكرى الاولى لانطلاقة انتفاضة القدس والتي ولدت رغم الصعوبات وفي حالة تشرذم عربي واضطراب إقليمي وهرولة عربية للتطبيع وانقسام فلسطيني، بالإضافة لجريمة التنسيق الأمني والذي يعد الانحراف الابرز في سياسة السلطة والأكثر حديا في وجه انتفاضة شعب. انطلقت الانتفاضة لتوجه الضربة القاضية لفكرة "الفلسطيني الجديد" الذي أرادوه بلا هدف بلا معنى بلا قضية، ويشعر بالدونية أمام محتله وينساق أمامه ليأكل ويشرب ويتمتع، بل وينسق ويتعامل ويتجند لحماية أمن المستوطنين، فكان الرد واضحا وجليا بندقية نابلس وعملية إيتمار وسكين مهند الحلبي الشاب الشجاع البطل. جاءت انتفاضة القدس بعد جرائم متراكمة من حرق للبيوت والاطفال، وعمليات الاعدام الميدانية وحالات وتقصد إذلال المواطنين على المعابر وانتهاك للمقدسات وابتلاع للأراضي، مع الهيمنة على كل شبر في الضفة الغربية، لهذا يعتبر تفجر الانتفاضة معجزة فلسطينية من ابداعات الجيل الجديد، فالبيئة الامنية والسياسية الداخلية والخارجية تمنع أي عمل ثوري ونضالي، إلا أن الشعب الفلسطيني دوما له كلمة فاصلة تغير المعادلات وتتجاوز الاحتمالات. عملية إيتمار كانت البداية وقد نفذها خمسة من خيرة شباب نابلس جبل النار، وتركزت للرد على عملية إحراق عائلة الدوابشة، ورغم الطوق الامني والملاحقة المتواصلة إلا أن عبقرية النضال تجلت بالتخطيط والتنظيم، واستجلاب السلاح وتحديد الهدف والانسحاب، بل برز أيضا البعد الانساني والتفوق الاخلاقي الواضح، ففي ظل قتل الاطفال وحرقهم من قبل المستوطنين تجنب رجال نابلس المس بأطفال العائلة الصهيونية، وتركوهم دون ان يمسوهم بأذى مما عزز نظرة أعمق حول التقدم القيمي على المحتل. عملية إيتمار تعتبر نموذج للبدايات المربكة، التي تفتح صفحات جديدة من صراعنا مع المحتل، ولولا التعاون الامني والتنسيق المتواصل لاستمرت المجموعة باصطياد المستوطنين وضباط الاحتلال وتدفيع الصهاينة ثمن اطماعهم، ولتوسعت العمليات والمجموعات، إلا أن سرعة عمل جهازي مخابرات ووقائي السلطة حولا القضية وخدما الاحتلال وحرفوا المشهد، ومع هذا فالأوان قد فات فايتمار كانت الشرارة لتشتعل نيران الثأر المقدس من شباب ورجال وأخوات رجال في اطول عملية ثأر متواصلة واكثرها كثافة بدأها مهند الحلبي وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. ان انتفاضة القدس اذ انطلقت لا يمكن لها ان تتراجع طالما هناك فلسطيني ينبض، كما ان الاحتلال بحكومته المتطرفة وعنجهيته المتزايدة وأطماعه وجرائمه المتواصلة يعدم أي خيار آخر، لهذا كوابح وموانع توسع الانتفاضة لن تصمد كثيرا في ظل وجود المحتل وانفلات مستوطنيه، وتمدد جشعهم وتطرفهم، فالصدام الكبير حتمي والذي يمنعه فقط وجود سلطة تعمل ليل نهار في ملاحقة شعب قرر أن يثور.