على الرغم من أن النخب الإسرائيلية تدرك الطابع المؤسساتي المنظم للعمل السياسي والحزبي في تركيا، فإن أحداً منها لا ينكر دور أردوغان الحاسم في تحديد الموقف من (إسرائيل).
ومما لا شك فيه أن أكثر المسؤولين الإسرائيليين تهجماً على أردوغان هو وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان، الذي كان يتصدى لأي اقتراح يتم عرضه في الحكومة لمحاولة تحسين العلاقات مع أنقرة. وقد وصف ليبرمان أردوغان بأنه " يواصل درب مهندس الدعاية النازية جوبلس".
وهناك من النخب الصهيونية من يعزو خطاب أردوغان "المعادي" إلى توجهات "لا سامية أصيلة". ويقول داني أيالون، نائب وزير الخارجية الأسبق: "يتوجب علينا ألا نخطئ في تقييم موقف أردوغان، فمهاجمته لإسرائيل لا تعبر عن انتقاد شرعي، بل تنبع في الأساس من خلفية لا سامية". وقد توقف أيالون ملياً أمام وصف أردوغان الصهيونية بأنها "جريمة ضد الإنسانية"، عاداً ذلك " أكثر المحاولات خطورة للمس بشرعية (إسرائيل) الدولية وإلحاق الضرر بمسوغات قيامها بوصفها وطناً قومياً للشعب اليهودي.
ووصف الصحافي بن كاسبيت أردوغان بأنه "ماكنة دعاية سوداء تعمل ضد (إسرائيل)، فكل من راهن على أن تكون تركيا حليفة مركزية لإسرائيل، خاب ظنه عندما استحالت إلى حلقة مركزية في محور الشر بسبب صعود أردوغان للحكم". وعد كاسبيت أردوغان المركب الأساس في حملات نزع الشرعية عن (إسرائيل) في الساحة الدولية من خلال تهجماتها عليها.
واستبعد "مركز أبحاث الأمن القومي" حدوث أي تغيير حقيقي ودائم على العلاقات الثنائية مع تركيا طالما ظل أردوغان على رأس الدولة، على الرغم من توقيع اتفاق التطبيع الأخير، حيث يوصي بتجنب الاحتكاك مع أنقرة ومحاولة التوصل لحلول المشاكل القائمة.
وفي تقدير الوزير العمالي السابق الجنرال إفرايم سنيه فإن أردوغان يتطلع ليس فقط إلى تحويل تركيا إلى قوة عظمى اسلامية أولى، بل يسعى بشكل أساسي إلى أن يكون زعيم العالم العربي والاسلامي، وهذا ما سيدفعه إلى تبني مواقف متطرفة من (إسرائيل),. وعد سنيه خطاب أردوغان الفظ المناهض لإسرائيل أداة لتحقيق هذا الهدف، محذراً أن الاعتذار الإسرائيلي لن يسهم في التمهيد لعودة العلاقات بين الجانبين لأن هذا يتناقض مع استراتيجية اردوغان.
ويجزم سنيه أن "تركيا اردوغان لن تكون شريكا لإسرائيل في أي موضوع اقليمي هام، حيث يحذر نتنياهو من الاستجابة لبعض الدعوات التي تدعو إلى التعاون مع تركيا في مجال تسويق الغاز من أجل الإسهام في تحسين العلاقات معها، من خلال تصدير الغاز عبر أنبوب يصل لتركيا ومنها إلى أوروبا. وعد سنيه تبني هذه الفكرة "انتحاراً اقتصادياً" لأنها ستمكن أردوغان من الامساك بـ(إسرائيل) من أعضائها الحساسة والضغط عليها عندما يكون في ذلك منفعة سياسية لتركيا.
وهناك من مراكز التفكير الإسرائيلي من توقف عند بعض مظاهر سلوك أردوغان الشخصي والرمزي ومنحها تأويلاً تاريخياً. فقد استخلص "مركز يروشليم لدراسة المجتمع والدولة"، الأكثر ارتباطاً بمؤسسة الحكم أن حرص أردوغان على تغيير زي حرس الشرف الخاص بمؤسسة الرئاسة التركية، وإعادة تأهيل أحد القصور التي كان يستخدمها السلاطين العثمانيون يدلل على توجهه لإعادة الاعتبار للماضي العثماني.
وعلى الرغم من أن بعض النخب الإسرائيلية قد وجهت انتقادات حادة لأردوغان، إلا أنها تقر في الوقت ذاته بقدراته القيادية "الهائلة" والتي أسهمت في تعزيز المنعة الاقتصادية والسياسية للدولة التركية. فقد اعتبر وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلي الأسبق ألون ليفين، أن من أهم مزايا أردوغان قدراته الفائقة في إدارة شؤون الدولة وعلى وجه الخصوص القضايا الاقتصادية. وتقول البروفسور إليكساندرا مونرسون، الباحثة البارزة في "مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية"، التابع لجامعة بار إيلان أن أردوغان نجح في تعزيز القوة الناعمة لتركيا من خلال تقديم نموذج "النخب الإسلامية الديموقراطية المعتدلة والناجحة والفعالة".
وفي مقابل محاولة إظهار أردوغان بمظهر سلبي، التي عكفت عليها معظم النخب الإسرائيلية، فإن هناك من أقر بأن الرئيس التركي تصرف وفق قواعد السلوك التي تضبط سلوك قادة الدول والأمم التي تحترم ذاتها.
فقد قال الكاتب تسفي بارئيل المتخصص في العلاقة التركية الإسرائيلية إن محاولة النخب الإسرائيلية شيطنة أردوغان جاءت بسبب انتقاداته لسياسات (إسرائيل) "غير منطقي على اعتبار أن ما يصدر عن أردوغان يصدر عن ملايين الأشخاص الذين يتظاهرون في أرجاء العالم ضد السياسة الإسرائيلية. ولا يفوت برئيل التنويه إلى أن كثيرا من الإسرائيليين يوجهون إلى حكومتهم نفس الانتقادات التي يوجهها الزعيم التركي، حيث يعتبر أن توجيه الانتقادات إلى أردوغان بسبب أسطول الحرية مبالغ فيه.