لم تكتفِ أجهزة السلطة في الضفة الغربية بإغلاق الجمعيات الخيرية والمؤسسات الراعية للأيتام والفقراء طوال سنوات الانقسام، بل انتقلت مؤخرا لإغلاق عدد من الشركات والمؤسسات الخاصة دون "مسوغ قانوني".
وبررت السلطة إجراءاتها الأخيرة، بأن هذه الشركات تابعة لحركة حماس وتزاول مهامها دون ما سمّته "وجه قانوني" ضمن النظام الأساسي المزعوم الخاص بنظام عمل الشركات والمؤسسات.
الوقائي على رأس التنفيذ
ومن جملة الشركات التي طالها الإغلاق، شركة "روكيت" للدعاية والاعلان، حيث أقدم جهاز الأمن الوقائي على مصادرة أجهزة حاسوب ومقتنيات من داخل الشركة دون تبرير الأمر ودون أي إذن قضائي.
وعن التفاصيل، فقد ذكر أشرف البرغوثي صاحب ومدير شركة "روكيت" لـ"الرسالة"، أن الوقائي طلب منه الساعة العاشرة من مساء يوم الجمعة الحضور لمقر الشركة، حيث قاموا بتفتيش الشركة ومصادرة الحواسيب كافة بدواعي فحصها، لافتا إلى أنه تم مصادرة مفاتيح الشركة وإبلاغهم "شفويا" بعدم دخولها دون إعطائهم أمرا رسميا بذلك مكتوب من النائب العام.
وقال: برغم استشارتنا لأكثر من محامي وهيئات حقوقية وتأكيدهم أن من حقنا أن يكون الأمر رسميا ومكتوبا من النائب العام، إلا أننا احترمنا القرار والتزمنا بالإغلاق ونحن واثقون من حقنا وعدم مخالفتنا لأيِ من القوانين"، مطالبا جهاز الوقائي بتوضيح الأسباب التي دعته إلى إغلاق الشركة، علما بأن الشركة عمرها ما يقارب ثمانية عشر عاما ومن واجبنا أن نوضح للزبائن الكرام سبب الاغلاق الذي نأمل ألا يطول، على حد قوله.
وأكد البرغوثي أن الشركة تتابع الملف من خلال المحاميين وهيئة حقوق الانسان والمؤسسات الحقوقية وكل الجهات المختصة للوقوف على هذا الأمر الذي "ليس له أي مبرر واضح حتى اللحظة".
على غرار الجمعيات الخيرية
ولم يستغرب النائب فتحي قرعاوي، مثل هذه التصرفات من أجهزة السلطة تجاه المؤسسات والشركات الخاصة، مشيرا إلى أن تلك الأجهزة قامت قبل ذلك بإغلاق الجمعيات الخيرية والمؤسسات الراعية للأيتام والفقراء.
ويرى قرعاوي أن المستفيدين من هذه الجمعيات هم ضحايا الانقسام السياسي وذلك عقب انقلاب حركة فتح والسلطة برام الله على نتائج انتخابات 2006 والتي فازت بها حماس، وما ترتب على ذلك من سيطرة حركة فتح على كل مفاصل الحياة بالضفة الغربية.
وأوضح قرعاوي لـ"الرسالة" أنه عقب الانقسام في حزيران 2007م سيطرت حركة فتح بفعل القوة والبطش والقمع على الجمعيات وقامت بحل بعضها، وإغلاق بعضها الآخر، وتعديل كامل في طاقمها الإداري على أساس تنظيمي سياسي، مؤكدا أن هذا الواقع الصعب يأتي كنتيجة لإدخال الجمعيات الخيرية ضمن دوائر المناكفات السياسية.
وقال: لم تكتفِ أجهزة أمن السلطة بإقالة الهيئات الإدارية لهذه المؤسسات، بل عملت على إقالة جماعية لموظفيها، وهو ما يخالف القانون، وحرم هؤلاء الموظفين من حقوقهم، مبينا أن السلطة شنت الحرب على المؤسسات الخيرية بـ "ذريعة أن هذه المؤسسات تتبع لحماس أو تمولها الحركة، وهذا كلام غير سليم وثبت بطلانه".
وأضاف "صحيح أن نسبة كبيرة منها ذات طابع إسلامي، إلا انها تقوم بعمل إنساني وخيري محض، ولا تفرق في عملها بين أبناء الشعب الفلسطيني". وأعرب قرعاوي عن أمله بإزالة هذا الإجحاف والظلم بحق الشركات والمؤسسات الخاصة، إضافة إلى إعادة فتح الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي كانت تعمل قبيل الانقسام، مشددا على أن كل ذلك لا يتأتى إلا بإنجاز المصالحة الوطنية والقضاء على كل آثار الانقسام.
مخالفة صريحة للقانون
وتعد الاجراءات التي قامت بها السلطة ضد الجمعيات في الضفة، مخالفة واضحة وصريحة للقانون رقم (1) لسنة 2000، بشأن الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلي، المنشور بتاريخ 29/2/2002 بجريدة الوقائع الفلسطينية العدد 32 صفحة 71.
وتقول المادة (37) فيه، "تحل الجمعية في الحالات التالية: *صدور قرار من الجمعية العمومية بحل الجمعية ويجب أن يبلغ القرار فور صدوره للوزارة، *إذا لم تباشر أعمالها الفعلية خلال العام الأول من تاريخ تسجيلها ما لم يكن التوقف ناشئ عن ظروف قاهرة خارجة عن إرادة الجمعية أو الهيئة.
وعد مراقبون أن ما قامت به السلطة خلال سنوات الانقسام أمر غير طبيعي وقراراتها بحق الجمعيات والمؤسسات كانت قرارات سياسية بحتة، استهدفت مقومات صمود الشعب الفلسطيني، فالجمعيات الخيرية التي احتلتها السلطة وحركة فتح بالضفة، غالبيتها كانت مستهدفة من الاحتلال الصهيوني، تارة بدهم ومصادرة محتوياتها، وتارة أخرى باعتقال القائمين عليها وعاملين فيها، كما تعرضت الجمعيات الخيرية هذه إلى الانفلات الأمني (الممنهج)، حيث طال الحرق والتكسير والتدمير والسرقة أكثر من 100 جمعية ومؤسسة خيرية في الضفة الغربية.
يشار إلى أن عدد كبير من الجمعيات التي شملها القرار يقدم خدمات صحية وتعليمية هامة جدا بالنسبة لشريحة واسعة من المحتاجين والأيتام، وكان لمصادرتها، أثر بالغ في على مستقبل شريحة كبيرة من الشعب الفلسطيني كانت تعيش على ما تقدمه هذه الجمعيات من كفالات ومساعدات طبية وعلمية وغذائية واحتضان وملابس وغيرها من الخدمات.