منذ صدورِ مرسومٍ رئاسيٍّ بتعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ؛ انبرى كثيرٌ من الباحثينَ والقانونيينَ بينَ مؤيِّدٍ ومعارضٍ لهذا المرسومِ، ولم يلتفتْ أو يتطرقْ أيٌّ منهم إلى القانونِ الذي بمُوجبِه تمَ تعيينُ هؤلاء القضاةِ .
إنّ المحكمةَ الدستورية هي السلطةُ الأرفعُ والأقوى في مواجهةِ السلطاتِ الثلاثِ: (السلطةُ التنفيذية والتشريعية والقضائية)، حيث أنّ صلاحيتِها ونفوذَ المحكمةِ الدستوريةِ تطالُ ما تسنُّهُ السلطة التشريعية من قوانينَ بالإلغاءِ أو التعديلِ، وقد يأخذُ الأمرُ مَنحىً أكثرَ تطرُّفاً كأنْ تقضي ببطلانِ القانونِ الذي على أساسِه انتُخبَ البرلمانُ، وبالتبعيةِ حلُّ البرلمانِ، وقد تطالُ سلطتُها ما يَصدرُ عن السلطةِ التنفيذيةِ من قراراتٍ بقانونٍ ولوائحَ بالإلغاءِ أو التعديلِ، وقد يصلُ الأمرُ إلى أبعدَ من ذلك عندما تقضي بعدمِ أهليةِ الرئيسِ، وقد تطالُ صلاحيتُها ما يصدرُ عن السلطةِ القضائيةِ من أحكامٍ بالطعنِ بعدمِ دستوريةِ هذه الأحكامِ بالإلغاءِ أو التعديلِ.
إنّ القانونَ الأساسَي المُعدّلَ لعام 2003 المادة 103، وقانونَ السلطةِ القضائيةِ لسنة 2002 المادة 6 ، جاءا ليؤكّدا على أنّ المحكمةَ الدستوريةَ هي هيئةُ "سلطةٍ" مستقلةٍ بذاتِها؛ ذاتُ طبيعةٍ قضائيةٍ، وليست لها تبعيةٌ لأيِّ سلطةٍ من سلطاتِ الدولةِ الثلاثِ .
وسنَّ المجلسُ التشريعي قانونَ المحكمةِ الدستوريةِ العليا رقم 3 لسنة 2006؛ بيّنَ فيه صلاحياتِ المحكمةِ، وعددَ أعضائها، وآليةَ تعيينِهم، وممارسةَ اختصاصِها، وتمَّ نشرُه في الوقائعِ الفلسطينيةِ حسبَ الأصولِ، ولم يتِمْ تعيينُ أعضائهِ في حِينِه .
وأصدرَ الرئيسُ قراراً بشأنِ تعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ العليا رقم 3 لسنة 2006 يحملُ رقم (بدون) لسنة 2012، وأصدر الرئيسُ قراراً آخَرَ بشأنِ تعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ العليا رقم 3 لسنة 2006 ويحملُ رقم (بدون) لسنة 2014، وطالَ التعديلُ بموجبِ هذينِ القرارينِ بقانونَ عددِ أعضاءِ المحكمةِ، وآليةِ تعيينِ أعضائها، واستبدالِهم (عزلهم)، وشروطِ العضويةِ فيها وصلاحيتِها، وممارسةِ اختصاصاتِها ، بل والقسمِ القانوني أيضاً .
وتمَ تتويجُ التعديلاتِ السابقةِ لقانونِ المحكمةِ الدستوريةِ العليا بإصدارِ الرئيسِ مرسوماً بتعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ في ظِلِّ تكتُمٍ وغموضٍ، وتمَ الاكتفاءُ بذِكرِ اسمِ أعضائها فقط .
وإننا هنا ليس في محلِّ تبيانِ وتفنيدِ المخالفاتِ القانونيةِ التي صدرَ بموجبِها مرسومُ تعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ، أو الواردةِ في القرارينِ المعدلَينِ لقانونِ المحكمةِ الدستوريةِ، وقانونِ المحكمةِ الدستوريةِ رقم 3 لسنة 2006 ذاتِه، والذي يعتريهم مخالفاتٌ وملاحظاتٌ تحتاجُ إلى بحثٍ علميٍّ، وإنما إلى أهميةِ المحكمةِ الدستوريةِ، وخطورتها على الوضعِ الفلسطيني .
إنّ الوضعَ الفلسطينيةَ غيرُ مؤهلةٍ لتأسيسِ وتشكيلِ محكمةٍ دستورية؛ نتيجةً للانقسامِ السياسي والجغرافي لشطرَي الوطنِ، وعدمِ توحيدِ القضاءِ الفلسطيني، والقوانينِ المطبّقةِ في شطرَي الوطنِ، وإلى عدمِ الوصولِ إلى حلٍّ واتفاقٍ نهائي بينَ السلطةِ وإسرائيلَ، وعدمِ وجودِ سيادةٍ على كاملِ الأراضي الفلسطينيةِ، كما أنّ سنَّ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ وتشكيلَها يأتي في أعقابِ انتخابات تشريعية ورئاسية، وتفعيلِ الحياةِ الديمقراطيةِ والدستوريةِ .
إنّ المحكمةَ الدستوريةَ هي ركيزةٌ ومكوِّنٌ أساسٌ للدولةِ، وإنّ سنَّ ووضعَ قانونِها وتشكيلِها يحتاجُ ويتطلبُ اتفاقاً وتوافقاً فصائلياً ومجتمعياً؛ بل وقبلَ ذلك إقرارَ دستورِ دولةِ فلسطينَ، حيثُ أنّ قانونَ المحكمةِ الدستوريةِ يُعدُّ أبرزَ القوانينِ المكمّلةِ للدستورِ لِما لها من أهمية قد تؤثّرُ على الحياةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ بالكاملِ، من خلالِ حلِّ البرلمانِ، أو عزلِ الرئيسِ، أو إلغاءِ قوانينَ و أحكام قضائية .
إنّ رئيسَ السلطة أصدرَ أكثرَ من (75) قراراً بقانونِ استنادٍ للمادةِ (43) من القانونِ الأساسِي المعدّلِ، بما فيها قرارانِ بقانونِ لتعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ، ستُعرضُ على المجلسِ التشريعي في أولِ جلسةِ انعقاد له لإقرارِها أو تعديلِها أو الغائها وإلاّ زالَ ما كان لها من قوةِ القانونِ، فما هو دورُ وموقفُ المحكمةِ الدستوريةِ وخاصةً أنّ قانونَها ومرسومَ تشكيلِها مَحلُّ نظرٍ في هذه الحالةِ! والمحكمةُ الدستوريةُ هي المختصةُ في الرقابةِ على دستوريةِ القوانينِ والأنظمةِ والقراراتِ، وهي جهةُ الفصلِ بين تنازعِ سلطاتِ الدولةِ الثلاثِ .
إنّ هذا سيفتحُ المجالَ مستقبلاً أمام محاباةِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ للسلطةِ التنفيذيةِ، ويُظهرُ تأثيرَ وقوةَ نفوذِ السلطةِ التنفيذيةِ على المحكمةِ، وإفقادَه دورَها وقدرتَها على التصدي والفصلِ في أعمالِ السلطةِ التنفيذيةِ ورئيسِها؛ وخاصةً إذا علما أنّ جوهرَ المخالفةِ والخطرِ المُحدقِ ليس مرسومَ الرئيسِ بتعيينِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ بل هو القرارُ بقانونِ بشأنِ تعديلِ قانونِ المحكمةِ الدستوريةِ والذي أعطى الرئيسَ صلاحيةَ استبدالِ وعزلِ قضاةِ المحكمةِ الدستوريةِ .
إنّ الانقسامَ الراهنَ لا يسمحُ بتشكيلِ محكمة دستورية؛ أحكامُها غيرُ قابلةٍ للتنفيذِ والاحترامِ في شطرَي الوطنِ بل إنّ وجودَه سيكونُ أداةً وعائقاً جديداً أمامَ المصالحةِ الفلسطينيةِ؛ وخاصةً ما ترتّبَ على الانقسامِ من مشاكلَ قانونية متراكمة، حيثُ سيلجأُ إليها بعضُ أطرافِ المصالحةِ لتمريرِ القراراتِ والقوانينِ التي وضعَها خلالَ سنواتِ الانقسامِ .
إنّ المحكمةَ الدستوريةَ وُلدتْ في وقتٍ غيرِ دستوريّ ، ورئيسُ السلطةِ منتهي الولايةِ والمجلس التشريعي منتهي الولاية، والحكومةُ لم تنلْ ثقةَ المجلسِ التشريعي، ورئيسُ مجلسِ القضاءِ الأعلى غير دستوري.
وعليه فإنّ فاقدَ الشرعيةِ والدستوريةِ لا يعطيها! حيثُ إذا كان الأصلُ وهو قانونُ المحكمةِ الدستوريةِ محلَّ طعن بالإلغاءِ أو التعديلِ من المجلسِ التشريعي؛ فإنّ الفرعَ وهو مرسومُ تعيينِ أعضائها محلُّ طعن .