الحلقة (7): تفريغ غلاف غزة.. استراتيجية المقاومة

(صورة من الأرشيف)
(صورة من الأرشيف)

الرسالة نت-خاص

صنعت المقاومة الفلسطينية هذا العام ثلاثة متغيرات مهمة، لم تكن مسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث أسست لمرحلة جديدة نقلت فيه القتال إلى العمق الاستراتيجي للاحتلال.

المقاومة اليوم أدخلت الجبهة الداخلية والمدن الإسرائيلية الكبرى تحت "دائرة التهديد". وللدلالة على ذلك، فإن المقاومة أطلقت خلال الثلاثة أيام الأولى التي أعقبت انهيار التهدئة 400 صاروخ باتجاه البلدات المحتلة، بمعدل 130 صاروخا في اليوم، ويعني ذلك أن 60 صفارة إنذار كانت تدوي ساعة في اليوم الواحد في كل مناطق إسرائيل، نصيب المستوطن بالجنوب 40 صفارة، وهذا يعني أنه يهرب إلى الملاجئ في اليوم 40 مرة.

وصدرت اعترافات إسرائيلية رسمية أثناء المعركة أن صفارة الإنذار كان تطلق كل 4 دقائق في إسرائيل، ولأجل ذلك فرّ المستوطنون من البلدات في محيطة غزة، وأصبحت –بحسب تقارير إسرائيلية-خالية، حيث ذكرت وسائل إعلام عبرية أن ثلاث مستوطنات مهمة في الجنوب فرغت من المستوطنين، وهي: العين الثالثة، وشاعر هنيغف، وناحل عوز.

بذلك، ثبت أن لدى المقاومة الفلسطينية استراتيجية قتالية تقوم على تركيز الضرب في المحيط، بغرض إجبار المستوطنين على الفرار، ثم الانتقال إلى "دائرة نارية" أوسع سيجري التركيز عليها.

لابد هنا أن نركز على جزئية هي بذات مستوى الأهمية، تتعلق بمسألة استهداف العمق (أي وسط إسرائيل)، تحديد على منطقة مطار بن غوريون، وانعكاسات ذلك على ما أعلنه المتحدث باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، الذي كان قد توعد قبل يومين بمنع التجول على إسرائيل من خلال الفضاء العالمي، وضرب نقطة الارتكاز في الاتصال ما بين إسرائيل والعالم، عبر قصف بن غوريون الذي يعد في البُعد الاستراتيجي، الأكثر أمنا وحضورا على الساحة الدولية.

المقاومة اليوم تضرب المطار في أربعة أوقات مختلفة، لتؤكد أن كل الطائرات التي ستأتي نحوه ستكون في مرحلة الخطر، الأمر الذي أجبر شركات طيران عالمية على وقف الرحلات إليه، والحديث يدور عن حالة إرباك لـ 600 رحلة طيران خلال الأيام الماضية.

يعني ذلك، أن المقاومة أدارت عملا منهجيا أوقع إسرائيل في حرج أمام المجتمع الدولي، بأن فضائها تحت دائرة التأثير والخطر، ثم إنها منعت 7 مليون إسرائيلي –تقول الوكالة اليهودية إنهم موجودون في الخارج-من العودة إلى إسرائيل بسبب تعقيدات الوضع الاقتصادي، ومنع حركة الطيران.

وضربت المقاومة أيضا موسم الصيف في إسرائيل، الذي يعد "ماكنة" التحرك العالمي للاستثمار والسياحة. وعندما يصل إلى سمع اليهود في الخارج أن المطار الرئيسي لإسرائيل تحت دائرة الاستهداف للمقاومة في غزة، فإن ذلك يعني حالة اهتزاز في الثقة بالمستوين العسكري والسياسي بتل أبيب، وأنه لا يوجد عمق استراتيجي أمني في الكيان، الذي أصبح حديثه عن مدن آمنة في "دائرة العبثية".

إسرائيل اليوم أصبحت دولة لا يمكن الوثوق بها، لا في البعد الاقتصادي ولا السياحي ولا أكثر من ذلك، والأهم من ذلك أنها فقدت ثلاثة أركان مهمة، هي:

1-  صورة استخبارات عسكرية قادرة على أن تحدث حالة توازن مع قدرات المقاومة، جلعت الجيش يشن حربا لم يستطع أن يهيئ لها جبهة داخلية بشكل حقيقي.

2-  الثقة بالمنظومة الدفاعية، التي ظلت إسرائيل تتغنى بها من خلال صناعاتها العسكرية، وقصف المطار أيضا، ضرب العصب الأساسي في عملية التسويق للأسلحة الإسرائيلية.

3-  الثقة بالجيش، الذي اتضح أنه لم يعد قادرا على إدارة المعركة أمام المقاومة.

إسرائيل كانت تعيث فسادا في المحيط، تغتال علماء إيران، تضرب سوريا، وغيره، ويظل القرار على المستوى الرسمي ضمن دائرة التعليق "سنرد في الوقت المناسب"، لكن الصورة انعكست تماما مع المقاومة، حيث أصبحت تل أبيب هي ما تتحدث بأنها سترد على ضربات المقاومة في الوقت المناسب، ولا تفعل. الصورة انعكست لأول مرة، عربيا.

الإعلام الإسرائيلي يتحدث اليوم عن "هجرة جماعية" لمستوطني الجنوب نحو منطقة الوسط، ثم إن الهجرة أصبحت تتعلق بتأمين المصانع في منطقتي الجنوب والشمال، لأن استهدافها يعني تكليف الاقتصاد الإسرائيلي كثيرا.

استطلاعات الرأي الإسرائيلية بشأن تأييد المعركة وصلت إلى الحدود الدنيا، والإسرائيلي اليوم صارت عنده قناعة أن الجنوب هو منطقة خطر عليه، حتى وصلت الحال بأكثر من 250 ألف إسرائيلي إلى التفكير في الخروج نهائيا من الجنوب.

في المقابل، فإن المعركة بالنسبة للمقاومة في غزة تقوم على ركنين: جبهة داخلية متماسكة، ومقاتل يحمل عقيدة. وهذا أعاد الاعتبار لكينونة عربية ظلت عاجزة أمام إسرائيل، فمقومات الانتصار عليها باتت قائمة، بعدما كان العرب يقولون قبل عام 2014، إن مقومات الصمود ضد المشروع الصهيوني قد انهزّت.

المقاومة اليوم خلقت حالة اشتباك جديدة مع إسرائيل، وهي الآن تفرض منع التجول فيها، وبتقديرنا فإنها بعد 2014 ستبدأ هجوما بريا عليها "ولا نراه بعيدا".

للاستماع للحلقة اضغط هنا

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير