بهدوء.. جلست الطفلة قمر على لوح اسمنتي تتلاطم فيه أمواج البحر. كانت تلك الأمواج سريعة فيما كان الهواء باردا. أجواء لم نعهدها خلال شهر أغسطس في غزة.
مرت الدقائق, ولم تبرح قمر التي أتمت عقدها الأول مكانها. كانت تنظر إلى البحر بسكون دون أي حركة تذكر. يبدو أنها تشكو له همها.
تسارعت ضربات الأمواج القصيرة على ذلك اللوح الإسمنتي, كأنه يقول لقمر بغضب "اذهبي من حيث أتيت، هموم أهالي غزة ودماء أطفال بكر الأربعة التي امتزجت بي أثقلت كاهلي".
قمر وضعت رأسها بين قدميها التي ضمتهما إلى حضنها، ولسان حالها يقول ردا على البحر الغاضب برجاء " يا أزرق, أنت ملاذي الوحيد كيف وأنت فيك الصفاء والنقاء وتختبئ فيك أسرار الإنس والجن".
ذلك الحوار تابعته عن كثب خلال جلوسي مع زميل لي في المهنة. كنا قد هربنا من ضغوط العمل. كيف لا؟ ونحن نعمل تحت خطة طوارئ طوال مدة الحرب الثالثة على غزة.
لم ينقطع صديقي عن الحديث حول ما مر به من مواقف تعرض لها خلال تغطيته.
صدقًا كان جسدي معه أما عقلي كان يتابع الطفلة. تجول فيه عدة تساؤلات. ماذا تفعل لوحدها؟ ولماذا هذا الحزن؟ ولماذا ولماذا؟، علمًا ان من في عمرها يقع على عاتقه من مسئوليات لا يتخطى ارتفاع زهرة النرجس عن الأرض.
قرابة ربع ساعة وقمر على حالها وأنا أيضًا على حالي. صفة التسرع المعروفة عني جعلتني انتفض من مكاني وأطلب من صديقي أن يتبعني، لأعرف ما يدور هناك.
بدون سابق إنذار جلست بقرب قمر على ذلك الحائط الإسمنتي. أتابع معها تلك الأمواج السريعة.
بعد ما شعرت أن الطفلة ارتاحت لذلك الشخص الغريب الذي يجلس بجانبها. وجهت لها سؤالاً بهدوء: ماذا تفعلي هنا؟. كانت الإجابة مختصرة " انخنقت من المدرسة اللي شردنا عليها".
هنا علمت لماذا هي هنا. وانهالت عليها أسئلتي لأقف على تفاصيل معاناة الطفلة.
قمر طفلة تسكن مع عائلتها المكونة من 12 فردًا في مدينة بيت حانون شمال القطاع.
نزحت مع عائلتها كآلاف العائلات بالقطاع لإحدى المدارس التي تتبع لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) بعدما دمرت الطائرات الحربية الإسرائيلية منزلهم بالكامل.
من بين تلك المشاهد التي أثرت على نفسية الطفلة وقت القصف، مشهد أمها التي عانق وجهها التراب مدرجة بدمائها على بوابة المنزل.
تروي قمر بصوت متقطع: "كان أبوي يحملني وبجري وأنا كنت بصرخ على أمي (يما .. يما) كانت مليانة دم كنت خايفة عليها كثير".
نقلت أم الطفلة إلى مستشفى دار الشفاء وسط غزة. ولكن حالتها الخطرة استدعى من الأطباء تحويلها لأحد المشافي بالخارج لاستكمال علاجها. تمسح دمعتها الجارفة وتقول " أنا بدي أمي ترجع أنا نفسي أشوفها (..) كل يوم أبوي بحكيلي عندها روحت".
الأم تتعالج بالخارج. وباقي العائلة تنام في أحد فصول تلك المدرسة. أقل وصف عن الحياة هناك "جحيم".
في كل يوم يمر على قمر هناك، حالتها النفسية تزداد سوءًا. صباح مساء توجه لوالدها سؤالها "متى بدنا نطلع من هنا؟ متى أمي راح تيجي؟ "، ليقابلها برده المعتاد "يا حبيبتي أمك عدها روحت، أما المدرسة ما في مكان غيره نروح عليه".
استغل الوالد وقت التهدئة وأخذ عائلته إلى شاطئ البحر ليخفف عن طفلته ذات الشعر الذهبي. باعتباره الملاذ الوحيد لأهالي غزة المكلومين.
بعدما انتهيت من حديثي مع قمر. مددت يدي إليها بقطَع معدنية من النقود، فقفزت إلى الخلف قائلةً: "أبوي علمني ما أخد فلوس من حد" ثم التفت برأسها تراقب تلك الأمواج السريعة.
عدت أنا وصديقي إلى الطاولة التي كنا نجلس عليها. انتقل حديثنا عن معاناة تلك الطفلة وآلام الآلاف من أطفالنا التي سجلت (إسرائيل) انتصارا وهميا فوق أجسادهم. ليقطع حديثنا صوت رجل ينادي. قمر .." يلا على المدرسة".