كل المؤشرات كانت تتجه نحو قطاع غزة بصفته المُخطط لعملية أسر وقتل المستوطنين الثلاثة في مدينة الخليل بالضفة المحتلة، حتى أن الإعلام الإسرائيلي تحدث بأن هناك اسما شارك في تمويل العملية من غزة.
ماذا تفعل (إسرائيل) حين تفقد جنديا؟، بطبيعة الحال، تبدأ بتحضير جيشها، ثم تهاجم المدينة الحاضنة للآسرين.
(إسرائيل) وقفت عاجزة أمام قراءة المشهد الذي جرى في الخليل، فداهمت سريعا مدن الضفة ونفذت حملات اعتقال كبيرة، وصلت إلى 200 معتقل بشكل يومي، هذا إلى جانب ضرب المؤسسات الفلسطينية في الضفة المحتلة.
تدحرجت العملية واتسعت وبدأت غزة قريبة من حالة تصعيد ما ، من خلال مشاركة غزة في نصرة الضفة، عبر مشاركة فصائل فلسطينية بإطلاق رشقات صاروخية اتجاه البلدات الإسرائيلية المحتلة، في الوقت الذي كانت فيه (إسرائيل) تراقب أداءها في الضفة من اعتقالات ومداهمات، وكانت تناقش ذلك على المستوى السياسي في المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) .
المشهد على الحلبة السياسية الإسرائيلية أضحى مرتبكا ، وطرأ في تلك الآونة متغير جديد ، حين أقدم مستوطنون على اختطاف وقتل الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير، وهو ذاهب إلى صلاة الفجر بعد حرقه حيا، وهذا ما كشفت عنه الرواية الإسرائيلية، ثم بدأت هبة جماهيرية في الضفة والقدس، أجمعت (إسرائيل) حينها، على أن أن هناك تدحرجا كبيرا للأحداث لم يكن متوقعا، وزاد إطلاق النار على قطاع غزة.
وأمام التطورات الدراماتيكية للأحداث، باتت (إسرائيل) تقف على ثلاث جبهات: مناطق القدس والداخل المحتل، الضفة، وقطاع غزة.
بشأن الضفة، كانت (إسرائيل) تعوّل على أداء السلطة الفلسطينية، التي اعتقدت أن عملية أسر وقتل المستوطنين الثلاثة كانت مدبر لإضعافها، وبناء على ذلك منعت التضامن مع غزة، أما الجبهة الثانية (مناطق الـ 48)، فكانت الاستراتيجية في (إسرائيل) ذاهبة إلى أن تلك المناطق يمكن أن تنفجر في أي لحظة، والخشية الأكبر كانت بأن تندلع انتفاضة في القدس، لكونها الأكثر احتكاكا وتفجيرا، بعد عملية أبو خضير.
العمليات في القدس تحولت من حالة فوضوية إلى حالة شبه منظمة، بحكم أن أحياء القدس صارت تُفرز فيها، قيادة شبابية تقود الانتفاضة، أما الجبهة الثالثة، فكان قطاع غزة، الهدف الاستراتيجي لمعركة (إسرائيل)، والتي كانت تصفها بأنها "البيئة الإرهابية"، وهي تقوم على عدة محاور أبرزها: الجاهزية العسكرية لفصائل المقاومة، وأن كتائب القسام وسرايا القدس تجهزان لمواجهة كبيرة مع الاحتلال، وهذه المرحلة في بنيتها العسكرية كانوا يقدرون عدد المقاتلين فيها بـ 30 ألف مقاتل والفصائل الأخرى بـ 10 ألف مقاتل.
ويتحدث الاحتلال عن نوعين من الجاهزية الصاروخية والجاهزية التسليحية الداخلية لعملية برية، كان يتحدث عن 12 ألف صاروخ داخل قطاع غزة، ويقسمها إلى صواريخ بعيدة المدى، وأخرى قريبة المدى، تغطى المنطقة الجنوبية.
والجديد أن الجيش الاسرائيلي كان يقيس مدى كل صاروخ كان تطلقه كتائب القسام، في عرض البحر، وكل ما يدخل ضمن اختبارات القسام، ويقدر بأن القسام يصنع يدويا صواريخ تغطي 180 كيلومتر، أي تشكل خطرا على 6 ملايين إسرائيلي، لكن التقديرات الاسرائيلية كانت تتوقع أن حل مشكلة الصواريخ بسيط، وكانت تعتقد أن منظومة القبة الحديدية ستعترضها بكل سهولة. وتحدثت (إسرائيل) بأن المقاومة تمتلك الصواريخ والمضادات القوية كالهاون والـ RBG والكورنيت، التي بإمكانها أن تتصدى للدوريات والآليات الإسرائيلية " الميركافا ، فخر تحصينات الصناعة الإسرائيلية في حال قررت عملية عسكرية برية بغزة.
(إسرائيل) كانت تعتبر أن أي عملية عسكرية داخل غزة تحتاج إلى غارات جوية كثيفة، وقوة عسكرية تمتد على الأرض. وقدّر بعض المحلل العسكريين الإسرائيليين أنه رغم قسوة الحرب إلا أنه يمكنها أن تمتد إلى 6 شهور أو سنة، لكن بقراءة بيئة المعركة، فإن (إسرائيل) لم تفكر جيدا بدرجة الخسائر، وما الهدف الاستراتيجي من إدارة المعركة.
وبالذهاب إلى نقطة أخرى فإن (إسرائيل) عندما أخذت القرار بالهجوم على غزة، كان محدودا، بمعنى أن الكابينت قال: "نريد ترميم حالة الردع، ثم نبدأ بهجوم ناري يقوم على أساس الاستهداف الجوي". وعلى هذا الأساس بدأت العملية العسكرية، حيث شرعت (إسرائيل) بقصف بعض المواقع، فاستهدفت مجموعة من كتائب القسام ارتقى جميع من فيها شهداء، وبهذا دخلت حركة حماس على دائرة النار بشكل كبير، وأخذت المواجهة تتدحرج.
أما البيئة السياسية، فكانت تتحدث على بنية إسرائيلية تتكون من وزير الخارجية ليبرمان ونتنياهو وبينت، هذا الثلاثي كان متوحدا ومتماسكا، لكن القرار على غزة أصبح يثير حالة رعب، فصواريخ المقاومة تتساقط على (إسرائيل) ونتنياهو يتردد في اتخاذ القرارات، وأصبح هناك شرخ كبير في تركيبة الكابينيت، أحدث حالة تنافر لأول مرة بين نتنياهو وليبرمان، حتى أصبحت حالة طلاق بين الاثنين. أما باقي الوزراء في الكابينت –وعددهم ثمانية-فلهم اتجاهين، الأول يتحدث عن استمرار المعركة، والآخر عن معركة محدودة.
هذا الإرباك في المشهد السياسي الإسرائيلي سيأخذنا في الحلقة القادمة إلى الأيام الأولى للمعركة للحديث عن عناويين نناقشها بمشيئة الله.
للإستماع للحلقة اضغط هنا