بات واضحا أن مباحثات وقف اطلاق النار في القاهرة دخلت نفقا مظلما، على ضوء تجاهل الاحتلال الاسرائيلي مطالب الوفد الفلسطيني، ورفض التفاوض تحت النار.
وقد يبدو ضمينا أن هذه المباحثات باءت بالفشل، غير أن الأطراف تحاول أن تجمل صورة الواقع بمنح الميدان مزيدا من الهدوء بغية التوصل لاتفاق يناسب الجميع بما فيها الوسيط المصري، الذي ألمح البعض إلى انه يقف في الخانة الإسرائيلية على حساب الموقف الفلسطيني، ولكن ماذا بعد إعلان الفشل؟.
ومن وجهة نظر البعض، فإن إعطاء الوفد الفلسطيني مزيدا من الفرص لإنجاح المباحثات تحت وطأة الضغط عليه، من شأنه أن يمنح اسرائيل فرصة في المماطلة والتلكؤ بالتزامن مع مواصلة جرائمه في قطاع غزة.
ويبدو جليا أن المشهد الميداني بات متناغما مع الاجواء السياسية في القاهرة إلى حد كبير، حيث تراجعت الفصائل خطوة إلى الوراء في حجم ومدى الصواريخ التي تطلق من غزة باتجاه الأراضي المحتلة عام 1948، فيما يواصل سلاح الطيران الإسرائيلي الحرب على المدينيين الفلسطينيين.
هذا الواقع يؤشر وفق مراقبين، إلى أنه يأتي تمهيدا لخفض مستوى النيران قليلا عما كان عليه في الفترة التي سبقت مباحثات القاهرة.
ويرى المحلل السياسي عدنان أبو عامر، قبيل إعلان فشل مفاوضات الجارية في مصر، أنه من الطبيعي أن ترفع "إسرائيل" وتيرة قصفها في غزة، مرجحا ألا يقدم الاحتلال ضمانا بتأمين عودة وفد المقاومة لغزة، وذلك تأكيدا لكلامها بأنها لن تفاوض تحت النيران.
ووصف أبو عامر هذه اللحظات بالحاسمة، على ضوء تمسك الفلسطينيين بموقفهم، مشيرا إلى أن اتخاذ القرار في هذا التوقيت مكلف جدا".
ولا يعتقد أبو عامر أن يعود الاشتعال من جديد في غزة خاصة بعد اعلان فشل التهدئة، مؤكدا أن إسرائيل ستكتفي بسلاح الجو، وإحداث شلل في القطاع، والمقاومة من جهتها ستقوم بالمثل.
ويأتي التعويل الاسرائيلي على سلاح الطيران، في وقت ادركت فيه دوائر صنع القرار في تل أبيب، أن العملية البرية كانت خطأ فادحا تعاطت معه الحكومة الاسرائيلية، وإن سلاح الطيران كان بالإمكان أن يقوم بالمهمات عوضا عن تعريض حياة الجنود للخطر على حدود غزة.
في المقابل ذهبت تقديرات باتجاه موقف مغاير لما قدمه المحلل السياسي أبو عامر، حيث اعتقدت أن القطاع مقبل على حرب استنزاف بعد اعلان فشل المباحثات غير المعلنة.
أحد أصحاب هذا التوجه هو الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني، الذي قال إن السيناريوهات المتوقعة الآن هو فشل المفاوضات والعودة للميدان مرة أخرى ولكن بوتيرة منخفضة من النيران وضمن هذا السيناريو ستعمل اسرائيل على مراقبة المخزون الاستراتيجي لصواريخ المقاومة".
وأضاف الدجني "إسرائيل تراهن على تراخي الحالة الأمنية لدى قادة المقاومة وعليه تقوم باستهدافهم وتسجيل انجازات سياسية، وتراهن أيضاً على خلخلة الجبهة الداخلية الفلسطينية وتدهور الوضع الانساني والمعيشي للسكان المدنيين".
أما على صعيد المقاومة فرأى الكاتب أنها ستعمل على ترشيد ضرباتها الصاروخية بما يحقق أكبر الخسائر الاستراتيجية، "وقد يكفي صاروخ على مطار بنغوريون وصاروخ مجهول المنطقة لتعطيل الحياة وتكبيد اسرائيل خسائر فادحة بالإضافة إلى عمليات نوعية قد تنطلق من غزة أو الضفة وهذا سيخلط أوراق نتانياهو" كما قال.
ويعتقد الدجني أن أقل الخسائر للطرفين هو أن تلبي اسرائيل مطالب المقاومة مقابل هدنة طويلة الأمد، وعليه يتوقع أن يكون هناك جولات تفاوضية أخرى حتى لو فشلت الجهود المصرية.
وكان رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق عاموس يادلين، قد كشف عن نية تل أبيب التي قال انها فشلت بتحقيق الأهداف التي حددتها لنفسها من حرب غزة، الذهاب نحو حرب استنزاف في القطاع.
وألمح يادلين إلى محاولة حكومته فهم ما إذا كان استئناف إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل لأسباب تكتيكيّة أم استراتيجية، معتبرا أن الجيش الاسرائيلي منح ثلاثة أسابيع في غزة "لكنه لم يلحق الضرر بكتائب القسام بشكل كاف" حسب زعمه.
وبذلك يتضح أن السيناريو يتراوح ما بين خفض مستوى النيران، والذهاب نحو حرب استنزاف طويلة قد تستغرق أياما طويلة، وبين هذا وذاك يتعين على الفصائل الفلسطينية الحفاظ على مخزون الصواريخ، حتى تستطيع أن تواجه الخيارين القائمين.