منذ 1400 عام ونيف علمّنا رسولنا الكريم أن بني إسرائيل هم أهلٌ لنقض العهود, ويأبى أولئك المحتلين لأرض فلسطين إلا وأن يثبتوا ذلك مرارًا وتكرارًا, بعد أن قتلوا الأطفال والنساء في نقض تهدئة بينهم وبين المقاومة الفلسطينية في مجزرة مروعة شهدتها مدينة رفح جنوب القطاع.
بلغت عقارب الساعة الثامنة صباحًا بتوقيت غزة المكلومة, ليهرول لحظتها أبو أيوب رفقة عائلته تجاه منزله شرق رفح تاركًا مدرسة الوكالة التي نزح إليها منذ أسبوعين في ظل إستمرار العدوان (الإسرائيلي) على غزة .
ما إن وطأت أقدام أبو أيوب عتبة منزله, حتى دوت أصوات الإنفجارات أرجاء المكان, ليجد أبو أيوب نفسه رفقة عائلته محاصرًا وسط غبار قذائف المدفعية التي سقطت قرب منزله في حي الشوكة شرق رفح.
الثامنة صباحًا وهو الموعد الذي اتفقت عليه المقاومة الفلسطينية و"إسرائيل" لبدء سريان هدنة إنسانية تمتد لـ 72 ساعة برعاية الأمم المتحدة, عاد المئات من سكان المناطق الشرقية لمنازلهم, لتفقدها وجلب ما يلزمهم في فترة نزوحهم.
أبو أيوب الذي تحدث لـ "الرسالة نت" واللهث يكاد يعدم صوته قائلًا: "اليهود المجرمين غدروا فينا, ما لحقنا نصل بيوتنا, رموا علينا قذائف بشكل عشوائي, حسبي الله عليهم".
مئات القذائف انهالت على المدنيين العائدين لمنازلهم, حاولوا جميعًا أن يهربوا من تلك القذائف, فمنهم من استطاع الهروب من الموت المحقق, ومنهم من ارتقى شهيدًا في لحظات عمَ فيها الموت طرقات المنطقة الشرقية لرفح.
" الناس بتموت في الشوارع , نساء وأطفال اتصابوا وهيهم في شارع البلبيسي على الأرض ألحقوهم"، هذه إحدى المناشدات التي وصلت لأبو خميس العامل في غرفة الإشارة بمستشفى أبو يوسف النجار بالمدينة المنكوبة وقتها, ولكنه لم يستطع أن يلبي هذه النداءات لصعوبة وصول سيارات الإسعاف لتلك المكان بعد قصف الإحتلال لإحداهن.
ما هي إلا دقائق معدودة حتى امتلأت سرائر المستشفى وأرضياتها بعشرات الإصابات, فأينما تولي وجهك تجد مصابًا وشهيدا, فمحظوظٌ من وجد ما ينقله للمستشفى وإن كانت عربة يجرها حيوان وكذلك من وجد سريرًا في قسم الاستقبال يوقف نزيف دمه ! .
حاولت "إسرائيل" لاحقًا تبرير مجزرتها, بزعمها اختطاف كتائب القسام لأحد ضباطها يُدعي هدار جودلمان بعد دخول التهدئة حيز التنفيذ, لتسارع الأمم المتحدة وأمريكا بتبني الرواية "الإسرائيلية" التي بان زيفها لاحقًا ليكون ذلك بمثابة الغطاء اللازم لقتل المدنيين العزل.
كتائب القسام أعلنت بشكلٍ واضح بأن آخر عملياتها البطولية كانت قبل التهدئة بساعة كاملة شرق رفح فيما انقطع الإتصال بالمجموعة القسامية التي نفذتها, والتي قيل أن الضابط خطف خلالها, فلا تعلم مصير مجاهديها ولا الضابط المخطوف فيما رجحت استشهادهم ومقتل الضابط.
مراسل "الرسالة نت" بعد أن تجول في أروقة المستشفى، ذُهل مما رأى من ضعف في الإمكانيات وقلة الكوادر الطبية, وتحدث مع مدير مستشفى أبو يوسف النجار الدكتور عبد الله شحادة الذي رد قائلًا: " مجزرة حقيقة والإصابات كثيرة جدًا, الطاقة الاستيعابية للمستشفى لا تحتمل هذا العدد كله أبدًا " .
" شادي ونضال حملوا أختي المقعدة, وأمي العجوز حملتها على ظهري, وكل اثنين من افراد عيلتي هرب من شارع , والقذائف تتساقط عل المنازل والأراضي حولينا " , هكذا بدا المشهد الصعب لحظة إخلاء يوسف لعائلته وقت اشتداد القصف على حي التنور شرق رفح .
عشرات النازحين لجأوا إلى لمستشفى لوقوعه قرب المناطق التي تعرضت للقصف المدفعي, الأمر الذي زاد من المعاناة الحاصلة أصلًا في أروقته, التي غصت بالأشلاء المتناثرة, ومما زاد الطين بلة قصف الاحتلال بوابة المستشفى بصاروخين, لتعم الفوضى لحظتها في المكان.
لمدة 5 ساعات على الأقل لم تنفك مدفعية الاحتلال ولو لدقيقة واحدة وهي تطلق قذائفها, لم تبق ولم تذر شيئا إلا وأصابته بحممها! حتى الهاربون وأطفالهم لم يسلموا من همجية واضحة لم تعهدها رفح منذ اجتياح قوس قزح قبل عقد من الزمن.
ومع انخفاض وتيرة القصف بدأت إدارة مستشفى أبو يوسف النجار بنقل الجرحى لمستشفى خاص اتخذته بديلا عنه لخطورة الوضع الأمني في ظل إستمرار الهجمة البربرية شرق المدينة , فيما تركت جثث 47 شهيدا وحيدةً داخل أروقة المستشفى لا يؤنسها إلا رحمة الله تعالى.
كانت هذه بعضا من المشاهد التي عاشتها رفح خلال آخر أيام العدوان قبل الاعلان عن تهدئة 72 ساعة برعاية مصرية.
وما جرى في رفح يسمح لها الانضمام لقائمة المجازر المروعة في خزاعة و الشجاعية، وقدمت خلال هذه المجزرة فقط أكثر من 250 شهيدا و1000 جريح , وعشرات المنازل التي هدمت على رؤوس ساكنيها, إلا ان رايات الصمود بدت خفاقة في سماء المدينة بعد انجلاء غبار العدوان , بتعبير كثير من سكان المدينة عبر أحاديث منفصلة لـ "الرسالة نت" أجمعت على أن النصر سيكون حليفًا لغزة وأهلها .