من عاشر الزميل الصحفي الشهيد محمد ضاهر وعمل معه، يجد أنه بذل للإعلام الوطني الشيء الكثير، حيث انغمس في العمل اليومي والاعلامي والمجتمعي خدمة للقضية الفلسطينية, لكن بصمت وسكون.
كان رحمه الله غاية في الانضباط بعمله في جريدة الرسالة، يصل مكتبه مبكرا قبل كل الزملاء, وبمجرد وصوله يكتب على قصاصة ورق ما الذي سينجزه خلال يومه, ثم يبدأ بتجهيز الأفكار اللازمة لمعالجة بعض الموضوعات الصحفية, اضافة الى اعداد وتحرير موضوعات أخرى في اطار عمله كمحرر صحفي.
يشهد له كل من عمل معه بإخلاصه وتفانيه في عمله، ولا بأس أن أذكر أنني كنت أعتمد عليه في تحرير الموضوعات الصحفية الصعبة لثقتي بدقته وجودة أدائه, وكان لا يبخل على الصحفيين لاسيما الجدد منهم بمعلوماته وخبرته حتى أن أحدهم قد بكاه حينما جاء خبر استشهاده وأخذ يتمتم "من سيصبر على قلة حيلتي من بعده؟"
لا أذكر أنه أجابني بأداة النفي "لا" حينما كنت أطلب منه أنا والزملاء كافة أي مطلب شخصيا كان أو مهنيا, وصدق به قول الشاعر:
ما قال لا قط الا في تشهده ... ولولا التشهد كانت لاؤه نعم
لقد كان رحمه الله مجتهدا في دراسته, حيث حصل على الترتيب الأول على دفعته في قسم الصحافة والاعلام بالجامعة الاسلامية, وبمجرد تخرجه تم تعيينه معيدا جامعيا وبالتوازي مع عمله الأكاديمي عمل محررا صحفيا في جريدة الرسالة ومكتب وطن للإعلام.
كان خلوقا مؤدبا مهذبا مرتبا في كل شئون حياته.. ولقد بنى نفسه بنفسه في دراسته وبناء شقته السكنية وزواجه, ولا أقول ذلك جزافا فأنا الذي عايشته أثناء مشاريع حياته الكبيرة تلك (الدراسة, السكن, الزواج) كيف لا، وهو زميل الدراسة والمهنة.
وكما كان مجتهدا في تحصيله العلمي وعمله الاعلامي, كان جهبذا في طاعة الله, يكره الغيبة ولا يمشي في النميمة, وأتذكر كيف انكبّ على تلاوة القرآن في أول يوم لشهر رمضان وكان يستثمر أوقات فراغه أثناء الدوام في ذلك, بل ويحثنا نحن زملاؤه على التلاوة والذكر كما كان يشارك في تجميع الزملاء لصلاة الظهر جماعة في وقتها رغم انشغال الجميع في غمرة العمل الصحفي الذي يعرفه الجميع.
انها حياة قصيرة التي عاشها محمد (25 عاما) حيث أستشهد في ريعان شبابه, لكنها كانت ملأى بالإنجازات الشخصية والمجتمعية, ومنها ما يتعلق بالدنيا ومنها ما يتعلق بالآخرة.
ها قد رحلت يا محمد مخضبا بدمائك الزكية, تلك الدماء الطاهرة التي توقد فينا روح التحدي والثبات ومواجهة الاحتلال وفضح جرائمه بحق الأطفال والنساء والصحفيين والمسعفين.
فلله درك يا أبا عبدالرحمن وأنت ترحل هناك الى عليين مع الأنبياء والشهداء والصادقين وحسن أولئك رفيقا, فسلام عليك وأنت تمضى مضرجا بدمائك ولسان حالك يقول "وعجلت اليك ربي لترضى".
وفي الختام لا يسعني الا أن أقول كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم "والله ان القلب ليحزن وان العين لتدمع وانا على فراقك يا حبيبنا لمحزونون".